صفعة من ذاكرة طالب مدرسة

صفعة من ذاكرة طالب مدرسة
الكاتب: الواثق طه

فترة الثمانينات والتسعينات لم تكن تلك الحقبة المتقدمة في التعليم في تلك الدولة، لم أتعلم في مدارس فلسطينية في حقيقة الأمر، بل في الإمارات العربية، لكنها كانت فترة رائعة...

سأبدأ بنبش ذاكرتي تجاهها من تلك الحادثة... حادثة لم أنس تفاصيلها مطلقًا...

أذكرُ أن وكيل مدرسة محمد بن القاسم الابتدائية جذبني من أمام "ثلاجة المياه"... أخذني إلى مكتب المدير، كنتُ مريضا وقتها، ولم يعرف حين أمسكني من ياقة قميصي ليصفعني أنّ درجة حرارتي مرتفعة، وأنني لم أكن متسيبا من الحصة، بل أخذت إذنا لأغسل وجهي وأشرب الماء، وأنني طالب متفوق، هذا صحيح، كنت متفوقا في كل المراحل المدرسية، وأمتلك من شهادات التقدير المدرسية ما يملأ حقيبة، كنت كذلك لسببين: لا صديق كان لي، لا عائلة سوى أبي وأمي وإخوتي، لا أعرف المجتمع حولي، لم نكن نشبه أهله، ولم يكن لنا، ولكن كان لي أبٌ طموح حدّد مصروفي لكنّه قال: للكتاب والقلم خذ ما تشاء!

لم يضربني بعد تلك الحادثة أي معلم في أي مدرسة دخلتها، لكنّ ذلك الكفّ ما زلت أذكره، كان ظلما بواحًا، أن أُضرب على وجهي لاحتياجي للماء، وبالمناسبة في تلك الحادثة: كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكان معلم الصف فلسطينيا، ووكيل المدرسة ومديرها كذلك...

يومها عدت إلى صفي بدموع عينيّ، أوقفني أستاذي المصري الذي درسني في الصف الأول، كان جارنا في الحي أيضا، قلت له ما حدث وأنا أبكي، وفعلت كذلك لمعلم صفي، ثم أبلغت أبي... وطالبت باعتذار... هذا صحيح، طالبت باعتذار وكيل المدرسة كبير السن والقدر.

وصل أبي إلى المدرسة في اليوم التالي، كان خمسة معلمين يعرفونني قد احتجوا بعد الحادثة على صفعي، لكل الاعتبارات التي نُقشت في ذاكرتي كما لم يُنقش فيها شيءٌ من ذلك العُمر.

ولمن لا يعرف أبي، كان رجلًا يخلط العصبية بالحب والحنان، لا يُعبثُ معه بالكذب، ولا باللف أو الدوران، وخير الأمور معه أن تكون صادقًا حتى في الخطيئة! كان يمتلك قدرة على عقاب أيّنا بالعتاب والتقريع بلا شتائم، عتاب لا يحتاج معه إلى الضرب الذي كان أهونَ من غضبه، كان يتركُنا وقتًا بعد كل خطأ يُحاسبنا عليه بتلك الطريقة، ثم يبدأ بملاطفتنا، وملاعبتنا حتى نرضى!

كنتُ طفلا هادئًا في الصف الأول الابتدائي، حتى إنّ أستاذي المصري إياه اشتكى ذلك، وحقّقَ مع والدي إن كان يضربني أو يعنّفني في المنزل، ولمّا فهم أنّ تلك أطباعي، طلب من والدي أن يُرسلني لألعب مع أبنائه، كان يمنحني كتب الأطفال، وكتبًا ملائمة لسني كي "أنسخ" ما فيها لتحسين خطّي... كنت أحبّه جدًّا.
دخلَ والدي إلى غرفة الصف، وطلب أن أخرجَ منها ليأخذني إلى مكتب المدير (الناظر) كان غضبه شديدًا ليس لأنني ضربتُ بل ما استشاط له غضبًا أنني صُفعتُ وهو الذي حرّم على نفسه منذ جئتُه بكرًا لما جاوز الأربعين من العمر، ألا يضرب أيّنا وتحديدًا على الوجه... الصفع عند والدي قتلٌ يستوجب الإعدام!
حاول "محمد فلاح" مربي الصف أن يمنع أبي من تنفيذ ما في رأسه، لكنّه لم يُفلح، وبينما كُنا في المسافة بين الصف وغرفة المدير، أوقفَت أبي مجموعة معلمين، أستاذي الفلسطيني اللبناني للتربية الفنية، الذي أرسل لوحة طفولية رسمتها إلى النسخة الثانية من مهرجان الأمم المتحدة للطفولة، اسمي في الكُتيّب الصادر عن المهرجان، وجنسيّتي فيه الأردنية... كان برفقته أستاذي المصري محمد سليمان، وغيرهما... سحبني الخمسة من يد أبي، وحاولوا إثناءه عن موقفه بلا جدوى...
وبّخ أبي الجميع، ووقفتُ أمامهم صامتًا، أما وكيل المدرسة (الختيار) وأظنّه توفى الآن، فقال لأبي معتذرًا: لم أصفعه... ووصف كيف لطم خدي لطمة خفيفة... هنا فقد أبي هدوءه، وقال له: إن لم يكن صفعًا فهذه تفسيرها عندي مختلف... قال الوكيل: له يا أبو واثق، أنا ختيار... فأجاب أبي: إذًا لا تكذب.

وقفَ الوكيل أمامي، وضع يده على صدره وانحنى واعتذر... كلما تذكرتُ تلك الحادثة، أذكر الرجل بشعور طيب، واحترام، كان فاضلا أوقعه حظّه العاثر في طريق أبي لا أكثر... لكنّ شعورًا آخر يخالجني كل مرة تعود فيها الحادثة إلى خيالي، شعور باحتقار من يضربون الأطفال... حتى أولئك الأطفال الأشقياء...
تلاميذ المدرسة ليسوا أشقياء، بل بعضهم، والشقاوة رفيقة الطفولة، وجهٌ للطاقة، والانطلاق، ما ذنبُ الطفل إن لم يُمسك بيده المعلم؟ وما ذنبُ الطفل إن فقد اهتمام والديه، أو حرصهما على تنشئته؟ ما مصير أخلاقه ومستقبله؟

كان محمد فلاح يعلّمنا الكتابة العربية بلا تنقيط، ينصبُ لنا المسابقات الفصلية، ويثير اهتمامنا كلّ يوم، وفي الإعدادية، كان عبد العزيز دبَش المقدسي، دقيقًا في الهمزات، والنحو، وحين يُصادفُ تاء مربوطة جرّدها جهلنا من نقاطها يفتعل الغضب ثم يقول: ما هذه الكلمة؟ عبد العزيز دبش، حيُيتَ حيثما كنت، وأطال الله في عمرك، فلم يكن لي أن أتمكن من اللغة العربية إلا لأنّك أثرت التحدّي فيّ تجاهها، ولأنّك أيضًا لم تكن تتوانى لحظة واحدة أن تنفذ مشهدًا تمثيليًّا ساخرًا وأنت الرجل الوقور كي تُفْهِمنا مسألة نحويّة!
كان بعض المعلمين يضربون الطلبة، على التقصير، وعلى الخطأ، وعلى الشّغب في سجونٍ نسميها المدارس، مع أنّ مدارسَ تلك الدولة راقية، ومحترمة، ويُنتدب لها خيرة المُعلمين المدفوع لهم راتبٌ يحفظُ وقارهم اليومي، ولكنهم كانوا يدركون أنّ التعليم يحتاج منهم إلى مزيد من العطاء، ومزيد من المعرفة التربوية، هكذا كانوا يذهبون إلى دورات تربوية لتنمية أساليبهم التدريسية...

وفي إعدادية ابن رشد، علّمني الأستاذ محمود عزّت السوداني، أستاذ مصري فاضل، كان يعلمنا الفنّ... لا يتحدث إلا بالفصحى، وكان الطلبة يلقّبونه (عبقرينو) وهو يعلم ويعرف ويضحك على ذلك، اختاروا له اللقب لأنّه عبقري... إذ كان يشبه تلك الشخصية الكرتونية، شخصية المخترع المجهول الذي يتبَعُه كعبول الكلب الأكول الذي لم يسلم من القط مشاكس...!

 الأستاذ محمود لم يكن مرسمه في المدرسة غرفة بمقاعد تقليدية، بل طاولات كبيرة، وتحتوي القاعة على ما لا يخطر على بال من أدوات نجارة، ومقصات للحديد، وألواح خشب، وغيرها من خامات فنيّة... كان يقول: كل إنسان فنّان إن أبدع فيما يفعل وقدّمه جميلا للنّاس... لا ترموا الأشياء التافهة، ستحتاجونها يومًا في مشروع فني... كان يحمل شهادة هندسة إلى جانب الفنون، وبفضله حزتُ على جائزة الفنون المدرسية على مستوى الدولة... ويذكّرني به عارف حجاوي...!

 وفي مرحلة الابتدائية العليا في مدرسة الفاروق، شاركت في فرقة الموسيقى المدرسية، لم أكن ذا شأن، إذ بدأت عازف طبلة، فلم أرضَ، ثم انتقلت للعزف على الأكورديون، لكنّ عيني كانت على آلة مميزة، تشبه الإكسلفون هي الفايبرفون.. وحصلتُ عليها صباح يوم أوصلني إلى المدرسة الفنان المصري، أستاذي في المدرسة محمد زرمبة الموهوب، إذ كان خطّاطا، ورسّاما بالفحم، وموسيقيًّا بارعًا لا يترك الغليون! يومها خرج برفقة زميله أستاذي السابق محمد  توفيق لإعداد الشاي، فانتهزت الفرصة لأعزف على تلك الآلة المهيبة في قاعة الموسيقى، وتحديدًا في مخزن الآلات... كنت أختلس الوقت لأمرّن نفسي عليها كي تكون لي... أنهيتُ العزفَ ليصفّق ورائي الأستاذان، وليقرر زرمبة أن أكون عازفها الدائم لأنه أُعجب بما أفعل، ولأنّني كنت أجيد تحريك يديّ الاثنتين بكفاءة أثناء العزف... هكذا حصلت بسببه على جائزة الأنشطة المدرسية للمرة الأولى عن الموسيقى برفقة فريق المدرسة للموسيقى عن عزفنا لأوبرا عايدة.
لن تتوقف ذاكرتي هنا، فلا يمكن إطلاقًا أن أنسى أستاذ التاريخ في الثانوية، كان سمير النوبي مصريًّا شاعرًا، أسّست تحت إشرافه أوّل مجلّة مدرسية   كمشروع بديل عن أبحاث التاريخ للسنة، مشروع اعتُمد للمدرسة كلها، كانت سنتي الأخيرة في الغربة، وكُرّمتُ من التربية والتعليم بما يليق وقتها...

ولكن قبل أن أنهي قائمة تنقصها أسماء كثيرة من معلمين لم تقصِهم السنوات من ذاكرتي بأفضالهم، لا بدّ أن أتحدث عن الأستاذ محمد هوّاش، أستاذ اللغة العربية في الثانوية، مصريٌّ درس في الأزهر، هو من جعلني أكتب حتى اليوم...

هوّاش كان يعشق الأوراق الصفراء للكتب، ويقترح أسماءها علينا، وكان يرفض ألا يكون المُعجم على أدراجنا، يُذكي النقدَ في عقولنا، ويُجيبنا عند كل سؤال باسم كتاب يحثنا أن نبحث عن الإجابة فيه، كتاب موجود في مكتبة المدرسة!

فترة الثانوية في مدرسة ربعي بن عامر،  تصاعدت كميات الكتب والروايات التي كنت أقرأها حتى طالبني أبي بعد أن دفعني خارج المنزل أن أخرج لأصيع! أي والله قالها حرفيّا: انزل إلى الشارع، أريدك أن تقع في المشكلات، وأريدك أن تتحرك في الشارع، ولا مانع لديّ إن اتصلت بي الشرطة لأكفلك! اذهب وعش عُمرك.

 الشارعُ كان مخيفًا عصر ذلك اليوم الذي طلب فيه أبي من أمي أن تكوي ثيابي قبل أن يطردني خارج مساحتي، مشيت بلا هدى، وأدركت بحزن أنّني جاهل لا أعرف ما وراء جدران المنزل سوى ما أشاهده حين نخرج في زيارات أسرية! بالمناسبة علّمنا محمد هواش أن أسرية لا تُلفظ بفتح السين بل بتسكينها، لأنها من كلمة أسرة ذاتُ السين الساكنة، ولفظها الدارج خطأ شائع!

 انتابني الخوف، والقلق، كانت تجربتي الأولى أنا ابن السادسة عشرة في الشارع، لم يكن أبي لئيما في موقفه، بل أنا الذي تأخرَ كثيرًا في وعي الحياة! مع ذلك حملتني الطريق إلى المجمع الثقافي، إلى المكتبة الوطنية في أبوظبي، تناولت كتابًا كبيرًا، كان قصة رأفت الهجان!

 ثلاثة أيام تذرعتُ فيها بتنفيذ رغبة أبي بالخروج إلى الشارع استنفذتها كلها في قراءة رأفت الهجان، وفي اليوم الأخير، لم أعلم أن والدي لحقني ليضبطني في المكتبة! حسنًا: رضي بالأمر الواقع ولم يضغط عليّ بعدها في أي شيء لمّا أدرك أنني ببساطة، أحمق يعرف ما يريد!

حاولت ستّ مرّات أن أكتب مقالات بعد أن تصاعد إعجابي بالكتابة والكُتاب حدّ الرغبة العارمة أن أصير كاتبًا منذ تلك السن، كان يعجبني الكاتب، ويسحرني الصحفي... ستّ مرات دخلتُ فيها إلى مكتب الأستاذ محمد هواش لأسلّمه ورقة كتبت عليها كل مرة موضوعًا لا أذكره، كان يتأمل الورقة كل مرة ثم يرميها في سلة المهملات ويشير إلى الباب قائلا: اخرج.

 كنت أخرج حانقًا، أقبض راحتي وأضغطها بشدة، لأحاول مرّة أخرى أن أثير إعجابه، وأن أثير اهتمامه، كيف لا وهو واحد من الذين أتلهّف إلى حصّته، فعلتُ كل ما استطعت بلا جدوى حتى حانت المرة السابعة، حمل فيها القلم وأشّر بكثير من الأحمر على ورقتي ثم قال: دلوقتي أعلّمك الكتابة اللي انت عاوزها.

في فلسطين لم أجد من يُشبه الأستاذ ريم الأتاسي، قريبُ الرئيس السوري الأسبق، لم أجد من يتبادل معي الكتب، ويزودني بقائمة مقترحة لأقرأها كما فعل ريمُ في مدرسة ابن رشد الإعدادية، منذ لقَطني أدسّ في حقيبتي رواية العرّاب لماريو بوزو لينصحني ألا أقرأها في ذلك العُمر. 

درستُ التوجيهي في فلسطين، لمّا قرر والدي أن نعود إلى بلادنا بعد تصويت كنت المُعارض الوحيدَ فيه، وقتها سألته عن التعليم في فلسطين فأجاب: من أفضل المعلمين في الإمارات، قلت: الفلسطيني، فردّ: كلّهم فلسطينيون هناك!

والدي يرحمك الله، خسرتُ بهذا القرار نسق حياتي كله، أرض الطفولة، والذكريات البعيدة، ودخلتُ في انكسارات هائلة، لا يعلم وجعها إلا قلبي... في فلسطين وجدتُ الكتبُ غالية، ووضع أبي الماديّ اختلّ تمامًا، لم يكترث أحد من المُعلمين لاقتراحي أن نؤسس مجلة للمدرسة، لم يكترث أحد للأنشطة المدرسية وقتها، لا مجلس للطلبة كما عهدت، لا جماعات طلابية تمارس أنشطة متنوعة، والمكتبة غرفة صغيرة، كتبها بالية وتستوطنها الرطوبة، لا مختبرات، لا قاعات عرض، لا مسرحَ ولا صالة ألعاب رياضية، لا ملعب للسلة وآخر للقدم، لا عيادة للطبيب، ولا صحّة مدرسيّة خاصة بالطلبة، تفحص أمراضهم وطعام مدارسهم، لا مُمرّض، والإرشاد الاجتماعي ليس حقيقيّا كما عرفته، والمقصف لا يضمنه الطلبة بجمعية تعاونية سنوية لها أرباحها، بل كان يضمنه إنسان بلا ضمير كان يقدم الفلافل البائسة، وشيئًا من الذباب... والطّامّة أنّني اضطررت أن أدفعَ لأستاذ الفيزياء في المدرسة ثمن تركيب مطبخ منزلنا الجديد، بعد أن فرك رحمه الله راحتيه، وقال: قبّضني! هكذا في الساحة أمام الطلبة... هذه لحظةٌ كانت عام 98  انهارت فيها صورة الأستاذ في خيالي... هنا في فلسطين.

قرّرت أن أكتب ما كتبت أعلاه، ومشاعر مختلطة تضج في صدري، بين الحنين والأسى، وصدمة تلقيتها كصفعة في واقع كان الحلم تجاهه رومانسيًّا ورديًّا ذات طفولة!

قرّرت أن أكتب ما كتبتُ علّ الأستاذ الجاحد الذي درسني الكيمياء في التوجيهي يدرك إثمَه وفداحة ما فعل لمّا قال لنا يومًا: الراتب الذي أتقاضاه يكفي ليوصلني إلى باب المدرسة، أما ما أفعله داخلها، فهو تبرع لوجه الله! وقفتُ له يومها منفعلا، بلا تأدب وقلت: إنّ لم يكن يكفيك الراتب، لمَ قبلت به؟ اترك هذه المهنة واذهب إلى إسرائيل لتشتغل فيها عاملا بمئة شيكل يوميًّا!

السلطة لم تنظر إلى التفاصيل، شأنها شأن كل واحد فينا في قراءتها للبيئة المُثلى لتربية أبناء الوطن، والبيئة هنا تنقسم إلى مساحتين: السجنُ المدرسة، والقيدُ الأسرة... هل طوّرنا وعينا العامّ الغالب تجاه الطفولة حقّا؟

والسلطة لم تمنح المعلمين رواتب تحفظ وقارهم، تذكرون هذه العبارة في بداية المقال، أليس كذلك؟ ولكن: هل يبحث المعلم هنا عن تطوير نفسه حقّا؟ هل ينظر إلى تلاميذه على أنّهم مشاريع تنمية، ومستقبل وطن؟ أيفعلُ حقّا؟ هذا سؤال متروك لضمير كلّ من يُفكر في مهنة التدريس على أنّها مصدر دخل ثابت، قبل أن تكون مهمة شائكة، تحتاج إلى أمانة، ودقّة، وضمير في معالجة عقول الطلبة، إنها عقولهم ورؤوسهم يا سادة... ليست أمعاءهم، وليست مؤخراتهم، بل أرواحهم ما تتعاملون بها، أرواحٌ تفكّر، وتشعر، وتتأثر بكم أنتم.

صفحات التواصل الاجتماعي تحملُ الأطفال، والرجال، وكل الأعمار، وكم هو مؤسف أن يصطدم جزء من المعلمين مع النّاس أمام تلاميذهم في تلك الصفحات، حين ينتصر المعلمون لزميلهم الموقوف، ويضجّ الناس على ضرب أبنائهم... انتصار المعلمين لزميلهم شيء جميل، لطيفٌ... ولكن: أحقًّا يؤتمن من يتذرّع أنّ التلاميذ أشقياء، وكثير منهم بذيؤون؟ لمَ لم يُفلح صاحب الذريعة بتغيير سلوك تلميذ واحد؟ كم يسوء الإنسان أن يقرأ هنا وهناك ذرائع لتبرير الضرب، ذرائع تحمل في طياتها منظورًا يحتقر الطالب، ويحتقر إنسانيّته...

أعلم أن جذر المشكلة يبدأ في الأسرة، وأعترفُ أنّ أسرتنا الفلسطينية تخسر الشيء الكثير من تقاليد العناية بمستقبل الأبناء لصالح الاستعجال على كسبهم المادي، حتى وهي تربيهم، حتى وهي تزرع فيهم الطموح، فالفرق هائل بين أن تزرع في قلب طفلك وأنت تحثّه على الدراسة، أنّ الدراسة تجلبُ الراتب الجيّد، والمستقبل الاقتصادي الأفضل، وأن تزرعها فيه وتحثه عليها وأنت تقول: إن العلمَ ينير الأخلاق، ويُنير الإنسان، وينير القلوب، وقد تكون أنت عونًا للناس يومًا ما... حثٌّ بلا أنانية، حثٌّ لا يزرع قيمًا جانبية في طياتها الانتهازية والفردية والاستغلال، ونسيان المسؤولية المجتمعية.

أعلمُ أن مشاكلنا كثيرة، لكنّ الباطل أن نقذف مسؤوليتها في وجه بعضنا، وأن يتنصّل كلّ من مساحته، وحقيقة مهمّته، ودوره، وتفاصيل عمله...  إن كلّ ما كتبتُ في هذا النصّ الطويل، لن يمسح تلك الصفعة من ذاكرتي، لن يزيلها، لكنّه رجاءٌ أن نكون أفضل مما نحنُ عليه، وأن نتوقف عن هدر ثروتنا البشرية... وأن يكون لنا الوطن كما نحلمُ، وكما يليق بالإنسان.