متلازمة الفساد والاستبداد

متلازمة الفساد والاستبداد
أدهم عامر
أدهم عامر أدهم عامر

يخطىء من يظن بأن محنة اللجوء استغرقت فقط مسافة بضعة مئات من الكيلومترات التي قطعها المشردون في غضون عشرة أيام.

هذه الكارثة استغرقت مئات الأعوام من التفاعل عبر مراكمة و تكريس خلل بنيوي في المنظومة الأخلاقية في المجتمعات ( العربية )، أتى من فرض الدّين الذي أرسى مفهوم عبادة الإله المستبد الغائب وظله على الأرض- الحاكم-، وروّج الدين أيضاً، لجملة من المفاهيم المُدمِّرة، التي كان لها أثرها البالغ في تشويه الوعي الجمعي لدى المجتمعات العربية والإسلامية، أدى هذا كله، إلى سلسلة من النكسات والهزائم الأخلاقية قبل أن تكون عسكرية، و لن أتطرق إلى الأمثلة، فهي أكثر من أن تُعد و تُحصى.

وفشل كل (العرب) في إقامة دولة حقيقية واحدة، فدولهم أشبه بإقطاعيات ومزارع يذهب خِراجها للسلطان وحاشيته، ويتفشى فيها الفقر والفساد والمظالم منذ ألف وخمسمائة عام، حتى يومنا هذا .

لا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير للأنظمة في كل ما حصل ويحصل، لكنني أعتقد أن النظام الفاسد هو ابن هذه البيئة الموبوءة، وليس طارئاً عليها أو غريباً عنها، ويمارس ما كانت ستمارسه أي جماعة أخرى لن تتردد باحتكار السلطة المُطلقة بالاعتماد على مباركة النصوص الدينية المقدسة التي تطلق يد ( الخليفة) ليمارس الإستبداد والفساد كالعادة السائدة منذ أربعة عشرة قرناً، ولا أظن أن هنالك حلولاً على المدى المنظور للتأسيس لمجتمع مدني يرسي دعائم (الدولة) بمفهومها المأمول، و السبب وراء هذا في اعتقادي، هو كما أسلفت، (الوعي الجمعي المشوه) أو بشكل أدق (الضمير العام الغائب أو المغيب) فلا فرق يُذكر من حيث النتيجة.

سأسوق مثالاً: في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وبينما كان أحد هواة تصوير الفيديو في الولايات المتحدة الأمريكية يصور على سفح أحد الجبال، لفتت نظره سيارة دورية شرطة توقف سائق شاحنة، فركز كاميرته على المشهد بعد أن ضبط التقريب إلى أقصى مدى، فشاهد أفراد الشرطة يضربون ويركلون سائقاً زنجيا… أكمل التصوير، ثم توجه إلى محطة CNN وباعهم الشريط، فعُرض فوراً ( Breaking New ) وصباح اليوم التالي، كانت إحدى حوّامات الإعلام، تصور المشهد المهيب : أكثر من مليون مواطن بيض وسود ومن مختلف الأعراق، يتجهون بمسيرة احتجاجية، نحو البيت الأبيض، وإثرها، تم اعتقال أفراد الدورية و قُدِّموا للمحاكمة، ثم استقال رئيس الشرطة في الولاية.

الذي حمى الديمقراطية وحقوق الإنسان هنا، هو (الوعي الجمعي) أو (الضمير العام الحي) ولكم أن تتخيلوا أن ما حصل في أمريكا، حصل في بلادنا… كيف ستكون النتيجة؟

على الأرجح أن السائق المسكين، سيبلع الإهانة ويضطر لدفع رشوة، وسوف يتعرض للشماتة والسخرية من الكثيرين من جيرانه وأهل بلده. الذي كرّس الخلل هنا، هو (الوعي الجمعي المشوه) أو (الضمير العام الميت أو المفقود) هنا يبرز السؤال الأهم : ما هو السبب الرئيسي الذي يُعطل الضمير العام ؟ وبالتالي يُعطل قيام دولة حقيقية قائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة، ومبدأ فصل السلطات، والتداول السلمي للسلطة.

مجرد نظرة عابرة على المجتمعات (العربية) ستُحيلنا إلى مواجهة محققة مع أساس المشكلة : الدين، ومنظومته وتوابعه، فهذا الموروث واجه كل أصحاب أصوات العقول المحتجة قبل ابن رشد وبعده، ونجح حتى الآن بالتصدي لكل المتنورين وأصحاب الضمائر الحية (وبدَّدَ شملهم!) وتفتتت البلاد وانقسمت إلى طوائف متنازعة مندفعة في سباق محموم نحو هدف الفوز بالسلطة المطلقة، لتدور دائرة الاستبداد و الفساد من جديد، وهكذا حتى يرث العدم، هذه الأرض ومن عليها . الشيئ الوحيد الذي أصبحت متأكداً منه  أن هذه البلدان ستنجح فقط في شراء الأسلحة و في تصدير المزيد والمزيد من اللاجئين، ما لم تخلع الأديان وتلقيها، أسوة بالمجتمعات المتحضرة التي عانت طويلاً من جور وعسف صُنّاع الألهة، والمتحدثين باسمها.