المعنى أم اللغة؟

المعنى أم اللغة؟
المصدر: الانترنت

 جدليّة ما تزال قيدَ النقاش، بين اللغويين، والكاتبين، ومعلمي الجامعات وآخرينَ، جُلّهم يتبرّعون بعبارة (المعنى أهم من جودة اللغة)...

سوى أنّ اللغويين يُطالبون كل من يعارضهم أن تستقيم الألسنُ، وتَصِحّ الكتابة، والخطابة، وفنون الكتابة، من أخطاءٍ فادحةٍ، ولحنِ قولٍ ناشز.

همَمتُ أن أعدّ تقريرًا صغيرًا عن هذا الموضوع غير أنّي أحجمتُ عن ذلك وسأكتفي بطرح موقفي الحادّ من هذه الجدلية السخيفة، الساذجة، وليرجمني عليه من يشاء، فهذه الجدلية  يتخذها الفرقاء مبرر انقضاض على الآخرِ، ومن ينتصرون لأنفسهم بعبارة "المعنى أهم من اللغة"... أغلبهم لا علاقة لهم بقواعد اللغة من حيث الاختصاص، بعضهم ومن طول احتكاك مع نصوص مكتوبة، وأشخاصٍ يكتبون، يمتلكون طموح الكتابة، لا يريدونَ الاعتراف بالركاكة، و يزعمون أنّ النحوَ والإعرابَ من زمنٍ غابرٍ لا يجب أن يبقى لهما التأثيرُ في الحكم طالما يفهمُ النّاسُ ما يُكتبُ ويُقال. أما اللغويون فيُمسكون بتلابيب الكاتب، يسخرون منه، أو يصيدون أخطاءه ويتخذون من جودة اللغة وانضباطها لقوانينها قولًا فصلًا في الحكم على ما يقرؤون أو يسمعون، فمن على حق؟

 لنعُد إلى أصل الحكاية، إنّ اللغة تأسست أولًا وأخيرًا لتحقيق التواصل الأمثل، بعدَ حُقبِ الرسم في الكهوف، واستخدام رموزٍ وأصوات للتعبير... اللغةُ تعبيرٌ صوتيّ ومكتوبٌ لتحقيق التواصل الذي يحتاجه المرءُ للتعبير عن ذاته، وأفكاره، وما يجول في خاطره... فاللغة بكلماتها ومفرداتها حاملةٌ للمعنى، لا يركبُ إلا عليها، ولا يُنقلُ إلا بها. فلماذا النحو وقواعد الكتابة في أية لغة في العالم؟

 نقولُ في علوم التواصل والإعلام، إنّ المضمونَ الإعلاميّ المكتوب، أو المسموع يجب ألا يتعرّض في عملية النشر للتشويش حتى يتلقاه المُستقبل، مُستمعًا كان، أم قارئًا، أم مُشاهدًا، بطريقة مثاليّة تضمن تحقيق الهدف منه، وإيصال الرسالة المحملة عليه، والتشويش عوامله كثيرة، أوّلها في الخانة الأولى: الصياغة.

 المقصود هنا أنّ الصياغة الجيّدة تعني وصولًا أمثلَ للمعنى، والصياغة أركانها الإلمام بفنون اللغة وقواعدها حتى يحدث التواصل مع العقول والقلوب بشكل مثاليّ يأسرُ المتلقي... ومن هنا أيّ كاتب لا يرغبُ في ذلك؟ أيّ شاعر؟ أيّ روائي أو قاصّ أو حتى (خواطرجيّ)؟

 يمكنني أن أكتب بكلّ بساطة، أنّني طرتُ بالسيارة بسرعة ٣٠٠ كيلومتر في الساعة، ثم ضغطتُ المكابح حتى آخرها لأتوقف وأقفز من السيّارة لأطالعَ جثّة شابٍّ صدمته... إنّ اللغة لا تتوقف على صفّ الكلام، بل تحتاج إلى منطقها وعقلها، فلا سيّارة تضرب شابًّا بمثل تلك السرعة دون أن تنقلب، وإن لم تفعل فهي ستقذفه إلى البعيد، إن هذا نموذجٌ متقدمٌ في إبراز الخلل في عملية التحرير الأدبي واللغويّ ولكن، بأبسط النماذج: ذهب أنا إلى سوق، جاء أنا من سوق. عبارة يُفهم منها أنني ذهبت إلى السوق ثم جئت مرّة أخرى إلى حيثُ أتواجدُ لحظة الحديث... المعنى واضحٌ لكنّ الذائقة شاذة، مُضحكة، ركيكة، لا تليق بأذن ابن اللغة المستمع... فأيّ معنىً تلقّاه المستمع سوى أنّ القائلَ أعجميّ أو عربيّ ركيك ساذج؟ إنّ التشويش في مثل تلك العبارة منحَ القارئ معنى إضافيًّا، ورسالة جانبية مفادها أنّ المُرسل كاتبًا كان أم مُذيعًا لا يفقه في اللغة، وبدلَ إحداث تأثيرٍ يريده الكاتبُ جرّه التشويش إلى نتيجة أخرى: ألا وهي السخرية، والتندّر... فإلى أنصار هدر اللغة بحجة إيصال المعنى أقول: كلّ مرّة تمارسون تحطيم اللغة، ستنالون مثل هذا الاستهجان.

 أما المتفيهقون، الذين يغرقون في المحسنات البديعية بما يصفه البعض باللغة (المقعّرة)، على حساب الفكرة، والمضمون، فهؤلاء لا يقلّون شذوذًا عن أولئك الركيكين، فكلاهما لا يُفهم له خاطرٌ، ولا تصل منه فكرة، كلاهما (تشويش) وكلاهما لا يُجيدان التواصل مع الآخر ولا التأثيرَ عليه.

 أيها القوم، ألا تظنون أن التذرّعَ بأن المعنى يصل ولا نحتاج إلى انضباط اللغة، تذرّعٌ يُخفي وراءه جاهلًا لا يرغبُ بالتعلّم؟ أي عاقلٍ يرفض التعلّم كي يُجيد ما يفعل؟ كيف يمكنني أن أومن بأستاذٍ يتذرّع كي لا يتعلّم أصول لغة ينطقها؟ وكيف يمكنني أن أومن بكاتب أو شاعر أو روائي أو قاصّ أو حتى باحث يجتهد في كشف معلومة أو إيصال حجة، وهو يتذرّع دومًا بذريعة الزورِ حين يرفضُ أن يُكلّف نفسه عناءَ التعب في تحصيله اللغوي؟ أهو الغرور والتعالي، أم الاستسهال؟ كلا الأمرين مُرٌّ وصعب.

 يقولون إنّ النجّارَ الماهرَ، من يخرج دومًا بحلولٍ إبداعية، وإنتاجٍ يروق الأعينَ، ودقّةٍ تضمنُ لحرفته النجاح، فكيفَ يلعنُ من يستهينون باللغة التي تحمل المعاني السامية، والأفكارَ، والمشاهدَ والخيالَ، نجارًا مخادعًا، أو لا يتقن حرفته بينما يقدّمون أنفسهم للآخرين على أنهم شعراءُ أو روائيون؟ إن كان للنجار الخشبُ فللكاتب الكلمات واللغة، وما بين هذا وذاكَ تُطلبُ الجودة ويُستحضرُ حسن الأداء.

 المعنى واللغة جسمٌ واحدٌ والجدليّة إياها، حمقاءُ، فيها من السفه والإسفاف ما يكفي لتحويلنا بمرور الأيام والعقود إلى استسهال الآخرين لنا، واضمحلال ثقافتنا... لا صراع بين اللغة والمعنى إلا في عقول الركيكين القافزين على ألوان الأدب، وأما العربيّ فيعلمُ في قرارة نفسه أنّ أصل هويته لغة ساحرة، تكشف عن أنماط تفكيره، وما بحرُ العربية المتلاطم الواسع سوى دليل على تفكيرٍ وإبحار عقل مارسه القدماء فطوروا لغتهم كي تجاريه... المعنى تخدمه اللغة، ولا حرب بينهما إلا في عقول الأغبياء والحمقى والزاعمين أنهم دُعاة ثقافة وأدب.