أيدولوجيا النهدين!

أيدولوجيا النهدين!
الكاتب: الواثق طه

عزيزتي... وقبل أن أعرّي جسدك المثير فيريق جنونَه على فراشٍ ملّ فراغ الوقت الرصين، ويملأ الفراغَ حولي بجنون يخطو به الوقت، وقتنا، إلى ليل غرفتي تلك...

ليلٍ تسلّلت به إلى المكان منذ شدّ الحنين عليك الثيابَ، وألبَستِ قدميك حذاءً لا يحفظُ سوى طريق واحدة، طريقك إلى حريق سأشعله فيك بعد وقت، هل لي بلفافة تبغ تشعلها شفتاك لي كي تُحيل جفاف فمي إلى نهرٍ من شغف القول، ونفي الخمول من ثنايا التفكير؟

أتعلمين؟ المسافة القصيرة بيننا على هذه الأريكة ملوّثة بالأصوات، أصواتِ الباعة المتجولين صباحًا، وأبواقٍ فشلت في استقبال الهدوء الفجريّ، وشيخٍ دعا على الكافرين بالنّار، وثلّةٍ اجتمعت مساء اليوم في دارٍ قريبة، فتحوا نوافذها لينطلق الدخان بأحاديثهم تحمل النميمة، والاتهام... وشيئًا من استعلاء... مسافة بعُمر يوم، تحتشد بكل ذلك، وبصراخ المسؤول عبر الشاشة المُنهكة أمامنا، وبقليل منّي، كثير رغبة واشتهاء!

أيكونُ ما بيننا أيدولوجيا يعتنقها القلب ويُمارسها الجسد كالخطبة، والصلاة، كالمحاضرة، والبيان الحزبي؟ مثيرٌ للسخرية أن يتناطحَ الأيديولوجيون وأصحاب المذاهب، هاكِ قُبلة طويلة، أأعجبتك؟ حسنًا، امنحيني دقائق لأنثر من رأسي شيئًا من الأيدولوجيا على هذه الطاولة الصغيرة، شيئًا قليلًا بمساحة منفضة السجائر... أتسمحين؟

الشيوعيون، والليبراليون، والملحدون، والمسلمون، واليهود، والمسيحيون، يتبادلون جميعًا كل اتهام وكل غمز، ولمز، ويقذفون الخطايا في وجوه بعضهم البعض، بعضهم إلى النار، والوحشية والإرهاب، وبعضهم إلى الديكتاتورية والفساد، والكُفر... إلى الدونيّة، إلى الموت والهلاك والثبور، إلى كل مصير مُظلم.

لذيذة قطعة التفاح من يدك تدسّينها في فمي، أعلمُ أنّ يديك ملّتا الحديث إذ تتسللان إلى شعري، لا مانعَ لديّ، اتركي لي أذنيك دقيقتين... كلّ فريق يفكّر من صندوقه الخاص، صناديقُ فكرية مُتناحرة... هم قبائل في حقيقة الأمر، قبائل لكل منها أنبياؤه، وأتباع مُريدون في كلّ قبيلة بها يؤمنون، يظن جميعهم امتلاك الحقيقة، والحرية، وجمالَ الحياة، والأنكى كل فريق يعتقد أنّه الأوحد في الخروج من الصندوق... صندوق الآخر بالطبع.

كلّهم عبيدٌ مُخلصون للفكرة، يثبتون عليها منذ أعوام وبعضهم منذ قرون، لا كسرَ لقواعدهم، لا مجال عندهم لنقض الفكرة، لنقدها، أو المساس بقداستها بالشّك أو بالنبذ أو بالتحطيم... كل ذلك يحدث لأنهم آمنوا بالفكرة حدّ اليقين بكل حُب أفضى إلى التعصّب.

عزيزتي، اسكبي الخمر هنا، أجل، هنا بالضبط، حيثُ يكمن في رأسي مقتلي، ومصرعُ القداسة، والرتابة، واستعباد الفكرة، والهموم... قبّليني قليلا... ودعكِ من كل الهراء، لنمارس مثلهم عمى الحبّ تجاه الألوان الأخرى هناك على السرير، بعد أن أحرّرك من الثياب فتسلّمي لذراعيّ هذا الليل، وأنفاسك وقوامًا قُدّ من شوق... ولنفعل على صدرك المثير ما نفعل دومًا، حسنًا ليسوا أفضل منّي ومنك، لنجعل ما بيننا أيدولوجيا خاصة، تكونين فيها مركز الكون، ونبيّ الفكرة، ومُنتهى السبيل، ولتكن أيدولوجيا النهدين!