سياقات في الأزمة الإندونيسية الأسترالية تجاه القدس

سياقات في الأزمة الإندونيسية الأسترالية تجاه القدس
جانب من تظاهرات إندونيسيا ضد ترمب source: internet
  • سياسة
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 473 مرات

إندونيسيا دولة إسلامية، حليفة للقضية الفلسطينية، ترفض اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتنجح في ثني أستراليا مؤخرًا عن نقل سفارتها إلى المدينة المحتلة،

في الوقت الذي يصل وفد دينيّ من أراضيها في زيارة إلى إسرائيل خلال العام المنصرم، وُصفت بالتطبيعية المُناقضة للموقف الرسمي الإندونيسي الرافض أيضًا لحملات دعت لمقاطعة المنتجات الأمريكية ردًا على إعلان ترمب.

في هذا التقرير نستعرض المواقف المُشار إليها في قراءة للموقف الإندونيسي، لتقديم تحليل يجيب عن التساؤل فيما يمكن اعتباره تناقضًا ليس فقط لدى إندونيسيا، بل يمكن أن يكون لدى دول أخرى تحذو حذوها.

إعلان ترمب ومقاطعة أميركا

منذ أعلن ترمب نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، جاء الموقف الإندونيسي على لسان  وزيرة الخارجية  (ريتنو مارسودي) التي قالت في حينه إنّ هذه الخطوة "تزعزع استقرار المنقطة" وإنها "انتهاك لقرارات مجلس الأمن" إضافة إلى تصريحات أخرى في هذا السياق، ولم يكن الموقف الحكومي في معزل عن الموقف الشعبي في البلاد، إذ خرج ألوف المتظاهرين في إندونيسيا تعبيرًا عن رفض سياسة ترمب فيما يخصّ القضية الفلسطينية، لتنشأ فيما بعد دعوات لمقاطعة البضائع الأمريكية دعا لها مجلس العلماء الإندونيسي، ردّ عليها نائب الرئيس الإندونيسي "يوسف كالا" بأنها دعوات مضلّلة، حسب تعبيره، وكانت حجّة كالا مبنية على أنّ "إندونيسيا تحاول الضغط على واشنطن عن طريق الأمم المتحدة وإنه ليس من العمليّ التوقف عن استخدام المنتجات الأمريكية"، وأن الإندونيسيين إن قاطعوا الأفلام والمنتجات الأمريكية، فهم لن يستطيعوا الاستغناء عن التكنولوجيا الأمريكية، ومعداتها النفطية.

 يوسف كالا -نائب الرئيس الإندونيسي

ويبدو ردّ نائب الرئيس منطقيًّا إلى حد بعيد، بالنسبة إلى رجل دولة يُدرك طبيعة المنتجات الأمريكية ولا يحصرها بطريقة ساذجة في الُمنتجات الاستهلاكيّة، كالماكدونالدز، والكنتكاكي، وماركات الثياب فقط، ودولة بحجم إندونيسيا، أيّة دولة، لن يكون من المنطقيّ أن تُعلن مُقاطعة البضائع الأمريكية، كائنة ما تكون تلك البضائع، ثم تحصل على الُمنتجات الأكثر حيويّة لاقتصاد البلد، كالتكنولوجيا المتقدمة، والمعدات الثقيلة وغيرها، علاوة على اعتبارات الجودة، والأسعار، والتكاليف.

ويمكن النظر إلى موقف نائب الرئيس الإندونيسي على أنّه موقف جريء واضحٌ، يُدرك أنّ مثل تلك الدعوات على الصعيد الفردي ستفشل نظرًا لانغماس الشعوب حتى الأذنين في استخدام المنتجات الأمريكية، وتحديدًا التكنولوجيّة، ما يُبقي تلك الدعوات في خانة "المزاد السياسيّ" الداخلي، وتكليف إندونيسيا مواجهة اقتصادية (فرديّة) لن تُفضي إلى شيء مع دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، وطبيعة صادراتها للعالم.

ولكن، هل هذا يضعُ الموقف الإندونيسي من محاولات تكريس إعلان ترمب تجاه القدس، في خانة الرمزية ورفع العتب؟

الأزمة الأسترالية - الإندونيسية

بين ذلك كلّه، يجيئ الموقف الأسترالي المتماشي مع الولايات المتحدة الأمريكية تجاه قضية القدس، والمُحتاج في الوقت ذاته لتحقيق اتفاقيّة للتجارة الحرّة مع إندونيسيا، لتعلنَ إندونيسيا رفضها القاطع لتوقيع الاتفاقيّة بعد إعلان أستراليا اعترافها بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، ونيّتها نقل سفارتها إليها، وتبدأ الضغط على الأخيرة كي تتراجع عن موقفها، ما أثمر عن نجاحٍ ترجمه موقف وزير التجارة الخارجية الأسترالي في تصريحه أن "مشروع نقل السفارة للقدس قد مات ولا داعي للحديث عنه، وسوف نوقع شراكة تجارية هامة مع اندونيسيا".

 يُعزى نجاحُ إندونيسا في ثني أستراليا عن موقفها إلى إدراكها لأوراق القوة التي تمتلكها في ملفّ الاتفاقية، فتوقيع الاتفاقية حاجة أسترالية، وللسوق الإندويسية قوّة تحتاجها أستراليا حدّ التراجع عن موقفها السياسيّ السابق، وهذا يحيلنا إلى النظر في صورة نمطيّة لطالما سادت في أذهان الشعوب، هي أنّ الدول الصناعية المُصدّرة قادرة على  الضغط على الدول الأقل شأنًا، وقادرة على تغيير سياساتها باستغلال احتياجها لتدفق المنتجات من تلك الدول الكبرى.

إنّ هذا الأمر صحيح إلى حد ما لكنّه ليسَ مُطلقًا، ففي عالم أكثر حداثة، تتشابك فيه المصالح، وتتنوع فيه البدائل، والمصادر، والأسعار، تُصبح للسوق الاستهلاكية، من وجهة نظرنا، قوّة كامنة، تقّلل من هيمنة الدّول الكبرى المُصدرة، فهذه الدول أيضًا تحتاج لتلك الأسواق في تصريف مُنتجاتها، واستعادة أموال التصنيع، ما يجعل المُستهلكَ المستورد في وضعية أفضلَ للتفاوض، ووضع الشروط، وتمكين نفسه من استقلالية أكبرَ في مواجهة تلك الدول... 

أستراليا رضخت للشرط الإندونيسي حاليًا، في عمليّة سياسية اقتصادية أدارتها الحكومة الإندونيسية بوضوح وتعنّت، فكان المستفيد الأكبر في حقيقة الأمر، الفلسطينيون الذين تخلصوا من تهديد إضافي لمكانة القدس من دولة كأستراليا، وهذا يحيلنا مرّة أخرى إلى سؤال: هل يمكن اعتبار ذلك نجاحًا للفلسطينيين؟

الدبلوماسية الفلسطينية

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ فلسطين طرف "تكسّبَ" من صراع ما بين دولتين، فكيف يمكن اعتبارُ الفلسطينيين لاعبًا حقيقيًّا في الأزمة بين البلدين مع افتراضٍ أنّ الدبلوماسية الفلسطينية لم تتدخل لدى الإندونيسيين سوى برسائل الشكر والتأييد لموقف الرئيس الإندونيسي؟

إنّ كثيرًا من الدول تبرعت، أو اتخذت، أو قررت، تلقائيًّا، في كثير من القضايا مواقف تنحاز إلى رأي، أو دولة بعينها، دون الحاجة إلى تذكيرها بالعلاقات الثنائية، أو ممارسة الضغوط عليها شعبيًّا أو عبر القنوات الرسمية، ليس سوى لسبب يرتبط بالأسس المتينة للعلاقات بين تلك الدول، وتشابك المصالح، والاتفاقيات، واستمرار الدبلوماسية اليوميّة في تحقيق التواصل بين الحكومات، والأهمّ من ذلك، المواقف السابقة التي يمكن أن تكون حصلت عليها تلك الدول في أوقات سابقة.

في هذا السياق، لا يمكن أن يحصل ونتجاهل تراكم العمل السياسي الفلسطيني في العقود الماضية مع مختلف دول العالم، ودعم منظمة التحرير للدولة الإندونيسية سياسيًّا في كثير من المنعطفات التاريخية، فالأمر لا يتوقف فقط على نقاط الالتقاء العقائدية أو الزمالة في منظمة التعاون الإسلامي، بقدر ما هو مرتبط بأثمان سياسيّة متبادلة، ورصيدٍ مخبّأ لاحتياجات مستقبلية، هذا ما تفعله الدول الذكية، وما الفلسطينيين في ما له صلة بقضيتهم سوى لاعبين أساسيين وإن لم يتدخلوا بشكل مباشر.

 ولعلّ نموذج دولتين مثل فنزويلا والسويد، اللتين لا ترتبطان بقواسم دينية أو لغوية أو عرقية مع فلسطين، يُعتبر مثالًا أوضح على ذلك، ففنزويلا تُسارع فورًا لمساندة الموقف الفلسطيني، والسويد بتطوير علاقتها مع الفلسطينيين صارت بوابتهم إلى أوروبا، نقصد هنا بوابة الضغط على الدول الأوروبية، إنّ تطوير أسس العلاقة بين دولتين في حقب ماضية، يجعلها تتبادل المنفعة، والأهم من ذلك، البحث عن منافذ تلك المنفعة والتنقيب عنها... ولكن، ما هي اللغة الأمثل للتعاطي مع الحلفاء؟

إندونيسيا والتطبيع

 شهدَ عام 2018 موقفًا حادًّا من الفلسطينيين، على الصعيدين الرسمي والفصائلي، تجاه زيارة وفدٍ إندونيسي إلى إسرائيل، برئاسة رئيس جمعية نهضة العلماء الإندونيسية الشيخ يحيى ستاقوف، للمشاركة في مؤتمر العلاقات الاسرائيلية الأميريكية AJC Global Forum في القدس. فالموقف الفلسطيني الرسمي أدانَ في بيان تلك الزيارة واصفًا إياها بالضربة لفلسطين والقدس وإندونيسيا، وأما الفصائل الفلسطينية فلم يختلف موقفها عن موقف الخارجية الفلسطينية.

رئيس الوفد في احتفال كولولام في القدس القديمة
رئيس الوفد الإندونيسي الشيخ يحيى ستاقوف في احتفال "كولولام" في القدس القديمة

 أما موقف رئيس الوفد الذي أدينت خطوته فلسطينيًّا وإندونيسيّا، فبرر الزيارة على أنّها زيارة تحمل طابع الدعوة للرحمة والسلام، والتقريب بين الأديان، حسب ما أورد موقع "المصدر" الإسرائيلي في مقابلة معه.

 إنّ هذه الحادثة تلقي بحملٍ من الأسئلة المهمة: هل تُعتبر تلك الزيارة تطبيعًا؟ وهل تُحتسب على الجهات الرسمية؟ وهل كان موقف الفلسطينيين صائبًا منها؟

إنّ التطبيعَ تهمة شائعة بين الفلسطينيين هذه الأيام، يوصم بها أي سلوك تبرز فيه إسرائيل طرفًا لحظيًّا أو طرفَ مُناسبة أو حتى لقاء سياسي، حتى إنّ ذلك امتدّ لتشكيل خطاب متشدد يشبه المواقف الدينية المتشددة تجاه العلاقة مع أي إسرائيلي حتى ولو كان مُعارضًا للاحتلال، أو مؤيدًا لحقوق الفلسطينيين، ونشير هنا إلى حادثة طرد مُراسلة هآرتس "عميرة هاس" من حرم جامعة بيرزيت من قبل طلاب الجامعة... 

إنّ التمييز بين العمل السياسي، والعلاقات الطبيعية التي تعني نسج المصالح والاتفاقيات المشتركة أمر ضروري، فتطبيع العلاقة عملية شاملة، تتناول النسيج المجتمعي، وعلاقات رسمية، واقتصادية، ومصالح مشتركة، وهو ما لا يمكن وصف لقاء ديني به، أو حوار سياسي، أو حتى زيارة مؤقتة، ولكن أين يمكن تصنيف زيارة ذلك الوفد؟

لا تمتلك إندونيسيا علاقات ثنائية مع إسرائيل باعتراف بيان وزارة الخارجية الفلسطينية المشار إليه أعلاه، وهو ما جعل الخارجية الفلسطينية دقيقة في فصلها بين الجهات الرسمية الإندونسية والوفد باعتباره وفدًا لا يمثل إلا نفسه، في توجيه مقصود لحدّة البيان صوب الوفد حفظًا للعلاقات مع إندونيسيا.

إن المتتبع للعمل السياسي يُدرك أنّ الدول وإن لم تمتلك علاقات ثنائية، فهي منغمسة في خريطة سياسية متشابكة، ما يجعل مختلف دول العالم ذات الصلة بالقضية الفلسطينية راغبة في إيجاد دور لها في الملف الأهم في السياسة الدولية على المدى الزمني الطويل لا المؤقت، كما يجعلها راغبة في استكشاف الأطراف المختلفة وهذا ربّما يطرح سيناريو سماح الحكومة الإندونيسية للوفد أن يغادر إلى إسرائيل لهذه الغايات، وإن كان ذلك صحيحًا فهذا يبرّر القلق الفلسطيني، والتحذير الذي تحمله فكرة إصدار بيان إدانة للوفد على الصعيد الرسمي الفلسطيني.

إلا أنّ سيناريو أخرَ يمكن أن نضعه إلى جوار سابقه، إذ لا يمكن افتراضُ وضعيات الدول خالية من تناقضاتها، إندونيسيا كغيرها من الدول، فيها كتل سياسية، وحزبية، وجهات سياسية تحمل مواقف متنوعة، كالفلسطينيين تمامًا في موضوع الانقسام، وموضوعات أخرى... إنّ مثل هذه الحالة تجعل من البديهي بروز جهات تمتلك وجهات نظر للقضايا المختلفة كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو جهات بإمكانها تسعى لنسج تلك العلاقات مع الدول، لتحقيق مصالح ذاتية خاصة إن امتلكت تلك الجهات شخصية دبلوماسية كجمعية علماء إندونيسيا، في ظل عالم تُمارس فيه الدول الكبرى سياسات مبنية على الاتصال الدولي، ومخاطبة مباشرة للجماهير والقوى السياسية قفزًا عن القنوات الرسمية، في محاولات للتأثير على مواقف تلك الدول، وهذا ما تنخرط فيه الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا والدول الكبرى ومن خلفها كل دول العالم، والفلسطينيون أيضًا.

 إن ما يخشاه الفلسطينيون في هذا المضمار، نعزوه إلى موقف استباقي يكافحُ بروز ظواهر هنا وهناك تؤسس لتشكيل قوى ضاغطة على الحكومات الصديقة في اتجاهات معاكسة للمصالح الفلسطينية، أو للدعوة للتطبيع في الصراع مع إسرائيل، إلا أنّ توظيف مصطلحات الخيانة، والاتهام المُسبق بلا مبرر بالتطبيع، لا تصب في خانة المصلحة الفلسطينية في هذا المضمار، وقد ترتدّ في وجه السياسة الفلسطينية بمواقف شعبية في تلك الدول تعتبرُ تلك الاتهامات إهانة، أو بداية شرخ في العلاقات، أما تهمة التطبيع، فاستخدامها دائمًا وعلى كلّ شيء، جعلَ وسيجعل أكثر، العمل السياسي والدبلوماسي في مأزق التناقض والتفسيرات الخاطئة، وهو ما لا تحتاجه عمومًا أية سياسة في أي قضية أو ملف، أو في أي دولة... إن الفلسطينيين يحتاجون إلى استخدام لهجة شبه دائمة تستميل الشعوب والحكومات، حتى في الأزمات أو في استشراف أخطار مُفترضة أو توقّع نوايا غير مُعلنة... وأن تُنقل هذه المهارات إلى الشعب الفلسطيني صاحب التأثير على وجهات نظر الآخرين بما يصدر عنه من آراء، ومواقف عامّة في فضاء العالم الحديث.

إن المتتبع لما وصفناه بالنقاط المتناقضة أعلاه، والوجوه الأخرى لتفسيراتها يجعلنا نشير إلى أنّ العمل السياسي لا يبني خطواته في وقتنا الراهن على "التبعية المُطلقة" بل على العلاقات الدائمة، والمنافع المشتركة، وعمل دبلوماسي مستمر.. فجبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا تقتصر الآن على تصادم الجانبين بجمهورهما ومقدّراتهما، بل تنتقل من مكان إلى آخر بين الشعوب، إذ تُعتبر مواقف الشعوب منذ البداية، مادّة أصيلة يسعى الطرفان لكسبها أو تعطيل استفادة الآخر منها، في زمن الديمقراطيات وحريات التعبير التي ملّكت الشعوب المقدرة على الضغط على حكوماتها... والنماذج السابقة، يمكن اعتبارها أثارًا على رغبة إسرائيل في فتح المجال الإندونيسي أمامها، ذلك المجال الذي أُغلق رسميًا في وجه إستراليا إلى أن تتراجع عن نقل سفارتها إلى القدس، وما بين ذلك كله على الفلسطينيين التواجد دائمًا.