"سحيجة"

"سحيجة"

كتبتُ مرّة إنّ من يتّهم أتباع فكرة بأنّهم "مُسحّجون" فهو "سحّيجٌ" أيضًا، لكن للفكرة المُقابلة أو المضادة... كانت جملة قذفتها على صفحتي، بعد أن مللت حالة "التنمّر" التي نُمارسها فكريًّا على بعضنا...

وكم نحنُ مُثيرونَ للرثاءِ حين تنحدرُ مستويات النقاش، ومظاهر رفض الاستماع بين المُتخالفينَ المُتعاركين سياسيًّا حدّ إغلاق أبواب الحوار بتوصيف "السحيجة".

تابعتُ خلال أعوامٍ مناقشات، وتراشقات كثيرة من هذا القبيل، أو منشوراتٍ كانت تصمُ أيّ شخص يُدافع عن مواقف السلطة أو حركة فتح بأنه: "سحيج"... أو تصمُ مواقف بعينها على أنها "تسحيج"... هكذا ببساطة تصاعدت وتيرة مثل هذا السلوك ليصبح سلاحًا بذيئًا في يد الكثيرين، فصارَ المُنافقُ الانتهازيّ في خانةٍ واحدةٍ في نظر المعارضة الفلسطينية اليسارية، مع من يحملُ فكرة لا يساريّة وتحديدًا "فتحاوية".

فصار كل أبناء حركة فتح في نظر أبناء اليسار "سحيجة"... ليصيرَ فيما بعدُ كل أبناء اليسارِ في نظر أبناء حركة فتح "أبناء أجندات"... والثانية جاءت بعد الأولى وليس العكس... لندخل في تضاد وتصادم وهجاءٍ متبادل في حالة صورتها سيئة، حمقاء، مُنحدرة إلى آخر التوصيفات المُرادفة.. صورة لا تليق بشعبٍ يزعم أنّه الأكثر وعيًا في السياسة، ويزعم أنّ شبابه أكثر نُضجًا بين نظرائهم في العالم، ويزعمُ أنّ نُخبَه هي الأكثر معرفة وثقافة...

المثير للسخرية، أنّ من يرفض الآخرَ لأفكاره السياسيّة، ولمواقفه ومعتقداته، يتخذ هذا الرفض من انحيازه لفكر سياسي مختلف، ومواقف ومُعتقدات مُختلفة، فإن كان أبناء اليسار ينظرون إلى انتماء الفتحاويين وانحيازهم لقيادتهم وأفكارهم وأفعالهم وتاريخهم على أنه "تسحيج"... فكيف يمكن أن يوصَف من يُمارسون عادة توصيف الآخرين بالسحيجة من حيث انتمائهم للحزب الفلاني أو الجبهة العلّانية بقياداتها وأفكارها وتاريخها ومعتقداتها؟ من ذات الملعقة، يصبح هؤلاء أيضًا "سحيجة"... والنتيجة مشهد عام مُعتمٌ، سيئ، كريه، مُعيب، يصنعه الجميع بما فيه من تطبيل، وتسحيج فتحاوي على يساري على إسلامي.. الخ... مشهدٌ يسقطُ في وحله حتى أبناء النُخبِ، والمثقفون (زعمًا)... لذلك ببساطة، اخترتُ منذ زمن أن أقطع أي نقاش مع من يحملُ تلك العقلية... لأن الحديث إلى الأموات جنون وعبث... لكنّني أكتبُ هذه المقالة  لأشير إلى فئة من الشعب الفلسطيني يتحدث باسمها الجميع، لكنها تشعر بالقرف من كل هذه السلوكيات... فئة موجودة خارج الأحزاب وداخلها ومن كل الألوان... وأوقنُ أنّ بعضًا كثيرًا سيأخذ هذا النّص في اتجاهات مختلفة، ساخرة، أو معترضة، أو غاضبة أو متفذلكة، أو حتى ببلطجة فكرية... وسلفًا: لا أكترث... فأنا مفصومٌ مثلكم لا أكثر... 

كيف لا نكون مفصومين ونحن نعتبر أنّ لدينا مُعارضة، وموالين للحكم، في دولة لا سيادة فيها، ولا حُكمَ حقيقيًّا يسيطرُ على أرضها، والأجواء، وما في الجوف والمياه...  لدينا "مُعارضة" يثير السخرية تجاهها أن يجلس ممثلوها إلى طاولة اللجنة التنفيذية التي تقود الشعب الفلسطيني، للبحث في القرارات، وللتصويت عليها، ولتبني خطط المواجهة السياسية مع الاحتلال... لكنها تصفُ أولا نفسها بالمعارضة، وتصف ثانيا جماعة من يجلسون إلى جواره شركاء في اتخاذ القرار بالسحيجة مرة، والـ CIA ثانية... الخ ! 

كما إنّ لدينا حركة عملاقة تحكمُ (هكذا يقولون) لمجرد أن الرئيس منها، مع أن سلوك التنفيذية يعني أنّ الكلّ له "حصّة" في هذا الحُكم، وأن الاستفرادَ ليس رسالة تلك المنظمة... هذه الحركة يصف منتسبوها كلّ أتباع تلك المعارضة "الشريكة"  بصفة "أجندات" مع أنّهم شركاءُ على الطاولة نفسها.. فكيف يمكن للمعارضة أن تتفق مع السحيجة، وكيف يمكن للسحيجة أن يتفقوا مع "الأجندات" في رسم سياستنا العليا... بينما يتراشق الكل بمثل هذه التوصيفات الهائلة! ببساطة: إنه الانفصام... والتدليس... بل إنّه فسادٌ فكريّ وسياسي تمارسه الفصائل في تعبئتها الفكرية (المُتعجرفة) لأبنائها، وفي أساليب استقطابها (الانتهازية)... والأنكى أن يخرج بعد هذا كله طريفٌ، فُكاهيّ، عنتريٌّ، من أي طرف ليقول: إنّنا نزرع الوعيَ، لنحصد الثقافة... تبًّا لك... ثم تبًّا لفصيلك أيًّا كنتَ وكان.

يقولُ علماء الإعلام، وعلماء شقيقته الدبلوماسية العامة إنّ للدّول "سُمعة".. لا يجب أن تُتركَ للآخرين (من خارج الدولة) ليعيثوا فيها التشويه، لكنّنا في حالتنا الراهنة "هائلون"... "مدهشون" إذ نشترك مع (الآخرين) في هدم سمعتنا، واغتيال شخصيتنا الفلسطينية أمام (الآخرين)... نفعل ذلك ونحن نستنكرُ تمادي (الآخرين) علينا!

ويُتابع علماء الإعلام، والاجتماع، وعلماء الدبلوماسية العامة (ولمن يعتقد أن الدبلوماسية العامة هي ما تقوم به وزارة الخارجية، أقول إنّ هذا المصطلح مغاير وبشكل أو بآخر يرتبط بسلوكك أنت كفرد في مرحلة من مراحل تلك الدبلوماسية) ... إن الشعوب تستطيع أن تخلق لنفسها سُمعة طيبة، وأن تُهدرها، وأن تُعيد إنتاجها، حسب درجة الوعي لديها، بما يتوفر لها من دولة عاقلة، وأحزاب فاعلة، ومؤسسات مدنية، وجهاز تعليمي قوي... وإعلام مُلتزم له فكرٌ واستراتيجيات سليمة... بالطبع المقصود ليس إعلام (الهمبكة) أو إعلام (الارتجال) أو (الزعرنة).

تصلُ تلك الشعوبُ إلى مرحلة يصيرُ فيها المواطن مُمارسًا لتلك الأدوار الدبلوماسية، فيكون بسلوكه نموذجًا يسهم في تعزيز سمعة (وطنه)... فماذا لدينا نحن؟  كيف يمكننا الزعم أن هذا يعنينا، ويهمّنا، وأننا صادقون تجاه سُمعتنا، بينما أبناء فصائلنا يمارسون كلّ شيء يهدمها؟ وكيف يمكنُ أن نقولَ إننا حريصون على أن نظهر بما يليق ويُسهّلُ رسالتنا إلى العالم، ونحن نمارس التنمّرَ، والبذاءة، والبلطجة الفكريّة على بعضنا! بل، كيف يمكنُ لساذج مثلي أن يثق أن مثل هذه النوعيّة من الناس (السحيجة من كل طرف) قادرة على حمل رسالة حقيقية، وخلق سمعة طيبة (عنّي كمواطن) أمام العالم...!

ولكن، أيجوزُ الحكمُ الجائر، أو القاطع أو الحادّ دون مرونة في النظر، ودون موضوعية في التحليل والتقييم؟ نعم لا يجوز... فإن كنتَ عزيزي القارئ/ ممن يستخدمون تلك التوصيفات الذميمة، ويؤذي شعورك النبيل حُكمي السابق عليك، أدعوك إلى أن تتذكر... أنّي أُلقمُك من ملعقتك، بطريقتك الجائرة المُستفزة... هكذا ببساطة كي تعلم، إن لم تكن تعلم، أنك في نظر فئة ثالثة: رسمٌ كرتوني، ومهرجٌ يضحكون منك وعليك لدقيقة، لكنك تغادر أذهانهم إلى النسيان، والاشمئزاز من سلوكك المستهتر، وعجرفتك المقيتة، كائنًا ما يكون فصيلك أو توجهك الفكري.... وفي النهاية، اغضب كيفما تريد، ولترجمني بالحجارة... لكن، وأنت تمارس البلطجة الفكرية وتتبادلها مع خصومك، لا تزعم أنك تفعل خيرًا لفلسطين... أو أنك تحملُ صوتها وجرحها فيما تطرح من هذر.. فهذا افتراء، وكذب، وهراء.