أنا صايم وخالتي معيدة!

أنا صايم وخالتي معيدة!

اليوم الثلاثون من رمضان العام 2019 يحتاج إلى كشف حسابٍ لما حصل فيه وبشأنه وفيما يتعلق به... هذا يوم مثير للدهشة، ففي دولٍ عربية يحمل رقم الثلاثين ومطلوب فيه الصيام، وفي أخرى تبعد كيلومترات فقط عن جاراتها، هو الأول من شوال وفيه "العيد"...

وبين هذا وذلك نعرض كشف الحساب هذا:

العالم قرية

أقر النبي أنّ الصيام يبدأ برؤية الهلال، وينتهي بالعيد بعد رؤية هلال شوال، وهنا سيكون لنا موضوع أخر نتحدث فيه عن هذا النص النبوي ننشره لاحقًا، إن هذا الإقرار كان في زمنٍ فيه صفتان: ضعف العلم، والاتصال الجغرافي الأصعب أي (الاتصالات والمواصلات) كانت بطريقة بدائية (استخدام الخيل والجمال للتنقل)، وهنا يتبادر لنا سؤال: كيف كانت مكّة تصوم، ويثرب (المدينة) وكيف كانت المدينتان تعلنان عيدهما؟

إنّ المسافة بين المدينتين تحتاج إلى ما يزيد على يوم باستخدام الخيل الجارية، فإن كان أهل المدينة في زمن النبي تحرّوا الهلال وأعلنوا العيد أو بداية رمضان، كان يحتاج أي رسول إلى أكثر من يوم حتى يبلّغ (مكّة) بإجماع المسلمين على تحرّي الهلال! ألا يعني ذلك أنّ كل مدينة منهما كانت تتحرى منفردة هلالها؟ هنا نتساءل السؤال التالي: إن كان كذلك، ماذا لو حجبت الغيومُ (السّيارة) الهلال عن مكة ولم تفعل عن المدينة، ألم يكن ذلك يعني أنّ إحداهما ستعلن العيد والأخرى ستبقى على صيام يوم إضافي؟

اليوم ولمن يتحدثون عن الالتزام بسنة النبي الكريم، ألا يعتقدون أن إعلان دولة كاملة كالسعودية مثلا، من شمالها إلى جنوبها، بفريق تحرّ واحدٍ ثم تعميمه على كل المدن، هو شكل مختلف عمّا كان يجري في زمن النبي؟ شكل متطور أكثر؟ وإن كان كذلك، ما الفارق بين تطور تعاطي الإنسان مع الجغرافيا ضمن مفهوم الدولة، وآليات الاتصال بين أركانها، وبين التعاطي نفسه بين مجموعة من الدول كمنطقة الشام، أو الخليج، أو المغرب العربي ومصر؟

إن كان المنطق يقول إنّ مكة لن تستطيع في زمن الرسول أن تحصل على معلومة العيد أو الصيام في الوقت نفسه من المدينة إلا بفارق يوم أو يومين، بما يعني منطقيّا أن كل منطقة في السعودية كانت تتحرى وتقرر وحيدة، فكيف يمكن أن نقول إنّ أية دولة، السعودية أو غيرها، تمارس العادة  نفسها في زمن النبي وهي تتعامل مع حدودها ككتلة واحدة ..؟ فإن كان موضوع تحرّي الهلال يعني التقيد التام بكلام الرسول على (الفهم القائم الجامد) لكلامه... فهذا يعني أنّ لكل منطقة أن تبحثَ عن هلالها وحيدة وهذا لا يحدث بكل تأكيد في يومنا هذا! فهل هذا يعني أنّ قرى فلسطين التي أعلنت العيد مخالفة لأمر المفتي على صواب؟ إنّ التناقض هنا سببه المغالاة في تفسير قول النبي، والمغالاة في تجاهل التطور الزمني الذي يعيشه المسلمون ما أفرز ما نشاهده اليوم! بل والمآرب لا أكثر.

عالمٌ مكشوف يجمعنا، متواصل بكافة الوسائل التكنولوجية، وبأفضل وسائل المواصلات، تنتقل فيه الأخبار بسرعة البرق، لكنّ السياسة والمآرب تحكمه، فما الأجدر بالمسلمين أو المؤمنين بأي دين في ثنايا هذا الكوكب: أأن يبحثوا عن الأفضل لعبادتهم، أم أن يُدخلوا عباداتهم في دهاليز الشكّ والجدال الذي لا يُريحُ قلوبهم؟

إن كانت الدول الإسلامية تتعاطى مع مفهوم الدولة والتواصل الجغرافي بطريقة حداثية مختلفة عن زمن الرسول، فلماذا تعجزُ عن فهم ذات الأمر بصورته الأكبر: أن العالم صار قرية صغيرة! بما يوفر لتلك الدول وسائل أفضلَ فيما يتعلق بالصيامِ والإفطار... وسائل تحتاج فقط إلى (مراعاة) فرق التوقيت... هذا الفرق الذي يُدرّسُ في مدارس تلك الدول... وتفهمه الحكومات بطريقة بديهية؟ إنّ الأجدر أن يكون لكل المسلمين إعلان واحدٌ عن الإفطار يراعي ذلك الفرق بين الدول... طالما نتحدث عن تعاطٍ حداثي مع الجغرافيا لم يكن في زمن الأنبياء كمثله قط!

العيد الفلسطيني!

ويحمل هذا العيد صورة كاريكاتورية سوداء في فلسطين، بعضُ القرى اختارت أن تعترضَ على مفتي فلسطين وأن تعتبر اليوم عيدًا لا يتمم شهر رمضان، وحزب التحرير أعلنها بصراحة، أن العيدَ (بالنسبة له) هو اليوم بما يجعل الفلسطينيين يصومون ويفطرون في اليوم نفسه! ويتذرع الحزب أنه يأتمر بأوامر قيادته، التي اعتبرت أن العيد يأتي بعد تسعة وعشرين يومًا من رمضان لهذا العام! 

هنا لا بدّ أن نعود إلى قضية التحري، إن العرف الذي لا نتفق معه يقضي أن يتحرى الناس الهلال، ليبلغوا (الخليفة) الذي يمثل السلطة الدينية التي تعلن الصيام والإفطار بعد التحري، وفي وقتنا الراهن، يتعاطى قانون الدول مع (مفتي البلاد) على أنه تلك السلطة... أي أن الأمور ليست (شوربة - أو زيطة - أو فلّة حكم - أو سَلَطَة) كما يقول الفلسطينيون في تعبيراتهم الدارجة عن الفوضى.

ولكن ما فعله الحزب يلقي الضوء على ما يلي: 

خرج أنصاره إلى الشارع مفطرين، ويدعون للعيد في وقت يصومُ فيه الناس ملتزمين بقرار المفتي، إن المشهد هنا مثير للسخرية، فأين مراعاة حرمة الصيام؟ إنّ الحزب نفسه لو خرجَ مفطرٌ قبلها بثلاثة أيام إلى الشارع، لنكّل بذلك المفطر، واحتجّ عليه، بذريعة احترام الصائمين... لكن، يمكننا القول إن الحزب هنا انحاز (لرأيه فقط) لا للعبادة أو الدين.

في المقابل خرجت الأجهزة الأمنية لتقمع الحزب، بذريعة أن الإفطار الجهري يحاسب عليه القانون، ولأن الحزب حاول إقامة صلاة العيد في المساجد (وهذا أمر بكل تأكيد سيزيد الإشكالية الدينية من وجهة نظرنا وفيه اعتداء على هيبة الدولة)... الكوميدي في الموضوع أيضًا أنّ: دولة تؤمن بالتعددية الفكرية والدينية وبحقوق الإنسان، وتسعى لممارستها، تعجز كباقي الدول الإسلامية أن تستوعبَ أنّ: عدم الالتزام بالدين هو حق فرديّ أيضًا، وأن الإفطار أو الصيام حق فردي ليس قرارًا إلزاميًّا جماعيًّاا... فكيف يمكن لدولة تؤمن بذلك وتوصف بالسلوك العلماني الذي يحترمُ حريّة المواطن في السلوك والاعتقاد أن تسنّ قانونًا تستفيد منه أغلبية دينية، ويحرم فئات أخرى من حقّها الفردي؟

في المشهد مع حزب التحرير، تعاملت الدولة ببساطة كما تعاملت هيئة الأمر بالمعروف التي أنهتها السعودية، وتخلّت عن علمانيتها في تقديم الذرائع، كأنما هي دولة دينية.. وهذا تناقض هائل!
إن كان للدولة من حق فهو أن تمنعَ استخدامَ المساجد لكسر قرار المفتي من قبل الحزب... دون ذلك على السلطة الوطنية أن تراجع موقفها بين: الإيمان بحقوق الفرد في الاعتقاد والتصرف ضمن القانون، وقوانين تنفي علمانية الدولة وكل ما تؤمن به في هذا الصعيد، كموضوع: منع الإفطار في رمضان انحيازًا للأغلبية المسلمة.

وعن اللغط في موضوع قمع حزب التحرير اليوم، كيف يمكن لمن وافقَ على قانون الإفطار في رمضان واعتبره انتصارًا للصائمين أن يلومَ الأجهزة الأمنية على ما فعلت وهي التي تنفذ قرارًا واضحًا في القانون الفلسطيني وليست هي التي وضعته؟ إنّ هذا التناقضَ لا يليق بمن يؤمن بالحريّات المدنية، ولا يليقُ بالدولة، والانتقائية في المنظور لا تليق بمجتمعٍ تقدميّ، بما فيه من مؤمنين متسامحين! أو مفكرين مستنيرين.

بالطبع، سيخرجُ من يقول إنّ هذا الحوار الذي نقدمه يحمل في طياته خطورةَ الطائفية الدينية، وهنا نردّ على من سيتهمنا بهذا الأمر، إنّنا نؤشر على (تناقض) يحمله تطبيق الشعار الذي تحمله الدولة، هذا التأشير لا يعني أننا نريد سوى تطبيقه بالطريقة المُثلى، التي تعكس حقيقته وروحه وجوهره.

عام 2019 كشف العَوارَ في التفكير والعوارَ في الممارسات والتطبيق، حزب دينيّ خرج عن الإجماع وأنكرَ نهجَ رمضان لمجرد أنه انحاز لرأيه، ودولٌ وضعت نفسها في خانة التشكيك في قضية (التحري) في زمنٍ يستخدم فيه المسلمون التكنولوجيا الحديثة والعلوم في كل شيء... تلك العلوم التي لم تكن في زمن النبي الكريم... وعند الصيام، تلك العبادة ذات المستوى الرفيع، يختار المسلمون الجدل والتشكيك مع أنّ الدين الإسلامي حسبما يُجمع الجميع: حضّ على العلم.. والتسلح به... وهنا نختم بسؤال مفتوح: كيف يحسب العرب تقويمهم الهجري لباقي العام؟ هل يستخدمون الفلك أم يتحرون الهلال لتحديد شهر الحج الكريم؟ إنّ ما ينطبق على العام الهجري لن يضيرَ رمضان أن ينطبق عليه... وكلّه في خدمة العبادة...  لا السياسة... هذا الأصل لدى المؤمنين.

"خلاصته: اليوم أنا صايم وخالتي معيدة... حلّوها!"