سحيجة (٢): اللايك والتعليقات والبوستات تعرفني

سحيجة (٢): اللايك والتعليقات والبوستات تعرفني
صورة تعبر عن التنمر الإلكتروني المصدر: الانترنت

أنا سحّيجٌ، متصهينٌ، عميلٌ، رجعيٌّ، متخلّفٌ، منبطحٌ، طابورٌ خامسٌ وسادسٌ وسابعٌ، وأجندة خارجية، ومشكوك في أمري، أدعو للتخلف مرّة، وأطالب بالانحلال مرّات أخرى، جدّي امتطى ديناصورًا قوقازيًّا مسروقًا من تاجرٍ روسيّ لمّا هربت عائلتي منذ عقودٍ إلى فلسطين التي بعتُها ثلاثين مرّة لاحتلال مهذب دمث، احتلالٍ لا يريدُ أخذَها بحكم صك البيع، بل بالقتال معي.

أنفي معقوفٌ كأنف أبي، وصرفتُ خمس عشرة سنة في قراءة الهُراء، يكفي أن يُقال لي: أنت ابن زانية... أو أنتَ أجندة، أو أنتَ مُنبطح مدسوس كي تُنفى معرفتي، وثقافتي، ورأيي، وفي المحصلة: أنا ابنُ تلك التي سلّمت فرجها لزوجٍ فحملت بي كي يرجمني النّاس بعد وقتٍ كلّما اختلفتُ معهم... وكلّما لم تُدغدغ عباراتي، أو مواقفي، أو آرائي مشاعرهم... والنتيجة: أمّي عاهرة، وأبي صارَ اسمه "كوهين".

لكن، مهما كان الطرفُ الذي يُصنّفني، ويُعلّبني، ويحملني من خانة إلى أخرى، ويتنمّر عليّ، كأنّني خرقة بالية، أو حيوان أليف يحقّ لأيّ كانَ أن يُطعمه كيفما ووقتما يشاء، أو أن يعتدي عليه، أو يطرده من الوطن والانتماء بشيء من هراءٍ يُكتبُ في تعليق أو منشور... إلّا أنّني أيضًا مثل أي أحد: اللايكات، والتعليقات، والبوستات تعرفني...!

عالمُ التواصل الاجتماعي بيننا فيه كلّ ذلك، أطيافٌ تتناحرُ، تتبادلُ الشتمَ والتهم الجاهزة، وتضربُ بعضها بسيوف "البسوس"... لا قيمة للإنسان من وراء شاشة ولا حتى "بشسع نعل كُليب"... حتى طار طيفنا الإلكتروني الغاضب المتشنج المتنمر يطغى على أي شيء، ولكن كيف أفعلُ كلّ ذلك؟ كيف أكونُ ديكتاتورًا له سحيجة؟ إنّ الأمر سهل...

الرئيسُ حاشيته تسحّج له، والمُعارضة لها حاشية تسحيجية كذلك، هكذا نفهم جميعًا الأمر، وهكذا يتهم الجميعُ بعضَهم، وحتى أنجحَ  بين كل ذلك، إليَّ بحسابٍ في موقع فيسبوك، سأنْشُر بوستات حامية ساخنة كامرأة في حضني، سأنتظر اللايكات، ثم سأنصّب نفسيَ حاكمًا بأمر الله من صفحتي، ولتسبّح بحمديَ اللايكات والتعليقاتُ والشيرات بعدها... سأكونُ طاغية رأيي، أطرحُ نفسيَ وأجمعها في فئة قيادة الرأي الحصيفِ، والموقف السديد، والرؤية الواحدة السليمة...!

سأصيرُ بفعل نفسي، وصوتي العالي، مُعلّمًا يُسقط على الناس رؤاه العظيمة، ومُفكّرًا مُكتمل المعرفة والعلم، وأعلمُ أنّي سأحصلُ على سحيجتي،  يتغذى غروري على لايكاتهم، وتتّقد شهرتي بتواجدهم، وتُنفخُ  بتعليقاتهم (الأنا في داخلي) بعبارات: أبدعت... وكلامٌ سليمٌ، وتعليقات أخرى تزيدُ على هرائي هراءَهم، وتهجمُ على المُعارضينَ لي، وتنكّل بالأفكار الأخرى لتنتصر لفكرتي... وسأجيدُ فنّ اتهام الشخص لأنه يحملُ فكرة مضادة أو مُخالفة، فحواري صُوريّ تجميلي، هكذا أفعلُ مثل الحكومات: أبيع الوهمَ، والكلام الفارغ، وشخصيّة إلكترونيّة مُضخّمة لا أرضية لها... ثم  سأتحدث عن حرية التعبيرِ، وأتحدثُ عن كذب الآخرين وأفعالهم، وأنا أنزّه نفسي، ومواقفي عن كل خطأ أو قصور وجهل (حاشاي)... سأعرف وأجيد أكل الكتف والفخذ والأمعاءَ وحرقَ الجثّة... واغتيالَ الآخرِ، والتهكم عليه، والتنكيل بسمعته ومعرفته، لكنّني حقًّا وفعلا أقسمُ بانتمائي أنني أدعو للتنمية ورقي المجتمع ووعيه... لا شكّ يُباح لأحد في ذلك!

هناكَ في مواقع التواصل الاجتماعي سيجدُني الكل كما  أقول، وإن بحث باحثٌ في داخلي، وأنا أعدّ منشوريَ للنّاس، وأنا أستقبل إشعاراتي، وأنا ألاحقُ نتائج نصّ كتبته في سطرين ركيكين، سيجدني أعُدُّ اللايكات وأنتظرُ التعليقات، وأنزعجُ ممن يعارضني أو يُشيرُ إلى نقصي. 

صفحات كُتاب أو شعراءَ أو محللين سياسيين أو نشطاء، سأقرأُ فيها نصوصًا سيئة أحالها (سحيجة الكاتب) إلى ذروة الإبداع، وقمة الروعة التي يقف عليها الآن ملايين الناس يتزاحمون ويزعمُ كلّهم حقّه فيها... سأقرأ ذلك المنشور وأقول في نفسي مستهجنًا: إنه كلام فارغ، والناس سطحيون... ثم أعودُ  إلى صفحتي، وحصني، وقلعتي، أنتظر لايكاتها، وقمّة روعتي بين الناس، وذروة إبداعي في عيونهم... وعظمة انتمائي وفهمي ووعيي السياسي والثقافي، وسأغضب كعادتي الديكتاتورية إن مسّ عِرقَ رأيي، وما أظنه إبداعًا أي شخص مارق... أي شخص أريب مُندس... إنّ الكلّ يترصّد الكلّ الفاسق ويتنمّرُ عليه... والكلّ مثلي، ولكن خشية أن أُتهم بالتشهير، أنا وحدي: ابن العاهرة... ابن كوهين...! 

مقالٌ سابقٌ عن "السحيجة" في هذا الرابط: http://almorasel.net/community/374.html