الساعة الثامنة والثلاثون: أجيرُ الورق.

الساعة الثامنة والثلاثون: أجيرُ الورق.
من ملتقى فلسطين الثاني للرواية العربية

 انتصفَ الليل... غادرَ الثامن من يوليو في سبيله فارًّا وراء الأيام الماضية، تاركًا إيايَ مُنهكًا في مواجهة اليوم الجديد، التاسع من يوليو، أسعلُ من ألم في صدري، وأدخّن مثل قاطرة! إنّها ذكرى ميلادي ستحلُّ ...

 أيها البائسُ ستُتم ثمانية وثلاثين سنة، قلتُ لنفسي، وأنا أفردُ جسدي على أريكة أنهكَ حشوتَها نومي المتواصل عليها، بعد يوم بدأني في عملي الجديد، وانتهى بي إلى طاولة هامشيّة وُضعت إلى جوار باب... طاولة تسمّرت أمامها ساعتين وأنا أراقبُ الداخلين والخارجين، والمُجاملين، والطبيعيين، والمرسومة ملامحهُم بخطوط زيّفها الظنّ السيء، والاعتياد القبيح على الأنا، أمامي خمس رزم من كتب، وورقة وقلم، وفي عُهدتي مئة وخمسة شواكل، هكذا استقبلت سنتي الجديدة، أُراقبُ الآخرين بينما أبيع الكُتبَ نظيرَ مبلغٍ يكفي عشاء يومي وأجرة الطريق إلى العمل!

 كان ثمنًا بخسًا كي أتحوّل للمرة الثانية بائعًا للكتب وأنا الصحفيّ والكاتبُ من أعوام كثيرة، هكذا ببساطة قبلتُ وأظنّكم تعرفون السبب! لكنّ تلك الطاولة كانت أوسعَ بكثيرٍ مما تخيلتُ وأنا أتقاسمها مع مندوب دار الشروق، الذي بعتُ أكثرَ مما باع من كتب غسان كنفاني، كنت وإياه هامشيين جدًّا إلى جوار باب تلك القاعة التي أطلقوا منها فعاليّات ملتقى فلسطين للرواية العربية.

 الجلوسُ خارجَ إطار الرؤية يمنحُ الإنسان فُرصة لذيذة لينظر إلى نفسه والآخرينَ من زاوية مختلفة، من هامش ضئيلٍ يتلاشى تحت أنوف العابرين، هامشٍ لا يكادُ الصوتُ فيه يصلُ إلى أسماعهم... الهامشُ حفّة قاسية تتطلبُ شجاعة للوقوف عليها، وفاصلٌ بين الأشياءِ فيه يكمنُ الهدوءُ، والصبرُ الماكرُ، والفعلُ الصامت... كانت طاولتي هامشًا لشخصٍ وآخرَ كلاهما أنا ولكن على طرفي مكان.

 يومها حملتُ هاتفي وغرّدتُ عبارة صغيرة: الكُتابُ كائنات مُضحكة، هكذا بسهولة ويسر أطلقت النار على حزمة من الأصدقاء، وبعض الزملاء، وكثيرٍ من المجهولين، كانَ مُضحكًا أن يمُرّ من أمامي صديقٌ كاتبٌ رمقني بطرف عينه، وكان مُضحكًا من وقف إلى طاولتي منهم، يبادلني أطراف الحديثِ أمام ضيفٍ لم يُكلّف خاطره ليقول له: هذا صديقي... أما الفتياتُ اللذيذاتُ القائمات على الضيافة، فكُنّ يختَلنَ أمام شخصين مُنكرين، يبيعان الكُتب فقط، وعيونهن تدور في كلّ النواحي سوانا... لم يكترث أحدٌ ليزودنا بكراسيَ لنقعُد عليها، غير أن صديقًا اختلس لي كرسيًّا بعد أن أنهكني الوقوف، ولكن هذه هي الصورة النمطية في أذهان الجميع... أنتما تبيعان الكُتب... أنتما لا شيء.

 لم يمنعني المكانُ ولا الزمان أن أسخرَ من القائمين على المُلتقى في تغريدة أخرى، انتقدتُ فيها استخدامهم لشعار جريدة الحياة اللندنية بدلَ شعار الحياة الجديدة، شريكهم من الإعلام الرسمي، الطريف أنّ الحياة اللندنية ودّعتنا وأغلقت منذ أكثر من عام...!

 متى ستجلسُ إلى مثل هذه الطاولة لتوقّع كتابك؟ اختارَ صديقٌ عزيزٌ أن يُعاتبني أو يُداعبني بسؤاله لست أدري... فأجبت مبتسمًا بسخرية وأنا أجيب هازئًا: وأصير "مُثكّف" مثلهم؟

 بدأتُ مشروع رواية أكتبها منذ عامين، لم أكتب فيها بالحساب الزمني سوى شهر واحد، جاوزتُ مئة صفحة ثم توقفت.. أوقفني لُهاثُ الحياة، وألمُ العجز، وفقدان الشهيّة تجاه الأشياء... ورُعبٌ أن يكون لي يومًا كِتابٌ منشورٌ، وأنفٌ مغرورٌ، ومُعجبٌ مغمورٌ، وناقدٌ مأفونٌ، ومادحٌ ضحلٌ، وأُمسية علاقات عامة كاذبة...

 "هل ستُقدّمُ كتابي؟" قال صديقي الصحفي توفيق العيسى، أمس وهو يحثني أن أُنجزَ له مُراجعة كتابه، الذي سيتحامق ليدخلَ به إلى تلك القاعة في متحف درويش أو أي مكان آخر، كاتبًا شهادة جنونه بالانضمام إلى قائمة تطول من الكُتاب.

 "سنتحدثُ لاحقًا في الموضوع"... قلتُ لينبّهني ضاحكًا: ظننتك ستبهدلني على المنشور الذي كتبته عنك... أيّ منشور؟ تساءلتُ مضيفًا: لا أعرف أنك كتبتَ منشورًا عنّي.. وبعد البحث وجدته يقول ما مفاده أنّني "المدعو واثق طه" أعمل على تدقيق كتابه...

 لم يكتَفِ العيسى بوصفي بالمدعو بل زادَ بحذف أل التعريف الأصيلة في اسمي وهُويّتي، ليُنكّرني أكثر في فُكاهته! فتوعّدته برد عليه أن ينشره في صفحته وله ذلك:

 "عزيزي توفيق: أنا المدعو واثق طه، بائع الكُتب، السّكيرُ، أنت من يحتاجُني، وأنتَ كاتبٌ لا يُعترف بك في عُرفِ وتقاليد هذه الطبقة في بلادنا، وبينكَ وبين ذلك ودفّتي كتابك وضعتُ كرسيًّا خشبيًّا أجلسُ عليه الآن، أعبثُ بسطورك، وأنسفُ بعضها، وأحكم على غيرها، في هذه اللحظة عزيزي أنا سيّدُ قولك، والقاضي على ما فعلتَ في لُغتك... لستُ بائع الكتب يا صديقي الآن... فالهامشُ هنا مُختلفٌ، مُختلفٌ باختلاف الصفات، والنعوت، وكلّ منظور تقليدي أرعن، على هذا الكرسيّ أجلسُ الآن، وعليك أن تصمتَ ولكن: بعد أن تُعيد أل التعريف إلى اسمي، فهو ليس لك أو لأحد سواي".

 إنها نهاية الساعة الثامنة والثلاثين تخطو بعمري إلى شيء جديد لا أستشرف ما فيه ولا أكترث، ساعةٌ واحدةٌ فقط تمر بشهور السنة، لكنّ دقائقها الأخيرة مُرّة لم تشأ أن تمُرّ دون أن تعصُرني عصرًا بمَوتَيْن، ومسرحية سوداء في تلك القاعة.

 موتٌ نكأ موتًا من الغياب، وفتقَ جُرحًا ما بكيتُ يومًا بسببه، بل حقنت نَزفه في دمائي مرّة أخرى، واخترتُ الصمت، فلم أنعِ والدي عام 2006  بأيّ حبر... كنتُ بليدًا، باردًا وأنا أشاهدُ أعمامي يتساقطون في القبور، وأحبّة آخرين... حتّى صرتُ الابنَ العاقّ، لا يذرف دمعة أو يُشارك في عزاء... هكذا اخترتُ أن أبكي في داخلي، وأتصنّع البرود، لكنّني سأفتح ما فاض الآن... سأفتح هذا القبرَ وأحرّر من صدري كل تلك الأرواح...

 "والدي الحبيب:

 كُنتُ آخر من تحدّثَ إليكَ ليلة وفاتك التي تؤلمني حتى اليوم، بعدَ أن استحمَمتَ ولبست الجديد كي تنامَ نومتك الأخيرة إلى جوار أمّي، ويعلمُ السرُّ، ويشهدُ الجهرُ أنّني هربتُ سنوات طويلة من البيت إلى رام الله حتى لا أدخل إلى غرفتك، وحتى لا أنظرَ إلى ما زرعتَ من شجر، وحتى لا أسمع سعالك، وصوتك، أو أنظرَ إلى ملابسك التي رفضتُ أن تُمنح لأحد، وحتى لا أجلس في مكان كُنتَ فيه، إنّه الألمُ الذي صدمني مُسرعًا بأطنان من الذهول، وأعوامٍ من تبلّد المشاعر لكنّني، أبي، مُتعبٌ حدّ البُكاء، مُنهكٌ حدّ الضياع، مُستنزفٌ حدّ الانتهاء.

"فراس" ابنُ أُختكَ تُوفّي منذ يومين أو ثلاثة، وابنُ عمّك، عمّي باسل، رفيقُ غُربتِنا، وإشبينُ الطفولة توفي منذ أسبوعين،  لم ينكأ هذا الوجعَ سواه بهذه الفداحة، ولم يَعُد بي بقوّة وشراسة إلى عام 2006 سوى جثمانه الذي دفعتُه إلى ثلاجة الموتى، ذاهلًا، مُعتصرًا، ككل موتٍ لعزيز، كيف لا وشيءٌ من طفولتي حشرتُه في تلك الثلاجة اللئيمة، ثمّ تابعتُ التّراب يواريه إلى الأبد...

هكذا غابَ عمّ طالما جلستُ معه لأحدثه عن آخر ما كتبتُ، وعن روايتي، وعن ذاتي، وعن اهتماماتي، كان يدفعني كلّ يأسٍ إلى الاستمرار في الكتابة... في مرضه أرسلتُ له مقالين كتبتهما... فردّ ببريدٍ قصير: أبدعت...

 طفولتي مرّت بينكما، وكم احترتُ صغيرًا في ألقابٍ منحتماني إياها مُداعبة: فعندكَ أنا وليّ العهد، وبهلولُ الهازل، وعنده تارة أكون "فاشق" وتارة "فاسق"... أمّا أمي فما عادت تقول لي "كوكو" تظنّني كبرتُ على ذلك! حسنًا: إنني فاسقٌ بشدّة الآن، لكنّ بهلول الهازل الذي أضحكك كثيرًا مات منذ وقفتُ أمام سريرك وجثتك فوقه، حائرًا، مُهتاجًا، حائصَ الفكر أتفلّت كي أصرخَ بلا جدوى...."

 خرجَ رئيس الوزراء من القاعة، وتحلّق حوله نفرٌ مُعتادٌ تعرفونه، لم يكونوا مسؤولين، بل من فئة أخرى، ماكرة، يُجيدُ أفرادها التحلّق في دائرة السلام، والمديح، ويعرفونَ كيف يُشتم المسؤولُ بعد ذلك في منشور صغير!

 كان خروجًا موفّقًا أشكره عليه، أخرجني من ذاكرتي إلى تلك الطاولة مرّة أخرى، دقائقُ مرّت، ثم غادرَ يحملُ ثلاثة كتب عن طاولتي، إهداءً من صاحب الكُتب، أمّا أنا فكتبتُ على ورقة المبيعات: ثلاثةُ كتب مجانية لرئيس الوزراء بين قوسين: اشتيّة.

 "أبي العزيز: لم أتزوّج حتى الآن. ولم أنجح في تحقيق أي شيء سوى أنني أكتب كثيرًا من الهراء، ينقصه هزّة ذنبٍ لم ينمُ بعد... قُلت لي يومًا: لا تخشَ أحدًا وأنا موجود! أينكَ الآن؟ وقُلتَ أيضًا: افعل ما تشاء من سوء: ضاجع، واثمل، ودخّن، وغامر، ولكن: إياكَ أن تبيعَ رأسك لأحد... إيّاك وأن تُقاتل على قوت الرّعاع فاقدي الكرامة إياك... أبي، أطمئنك فلا سوق لي سوى سوق الجمعة، يُباعُ فيها كلّ تالف، وكل مُستبدل، وكلّ ما أنكره النّاس من مُقتنيات، وثياب، وحوائج... لا سوقَ تقبَلُ بضاعتي اليوم أو حُضور.

 كيفَ يُمكنُ أن يحضرَ موتُك بموت؟ وكيف يُمكن للغياب أن يستوعبَ كلّ الموتى، كيف؟ وكيفَ يقولون: إنّ الوقتَ كفيل بمُعالجة الجراح؟ رائحتك في أنفي الآن، وثيابك عليكَ، ولحيتك الرماديّة تثيرُ تهيّبي، وعيناك الخضراوان ترمقانني، وأنا أجلبُ لك القهوة، لا أعلمُ إن كُنت في مزاج جيّد، لكنّني أشتاقُ للدعابة، والمُعاتبة، وسخريتك، ونظرات فخر طالما منحتها لي في توزيع الشهادات المدرسية والتقدير والتفوق... كانت تلك النظرة وقودًا نضبَ الآن... نضبَ إلى الأبد..."

 قلتُ لشريك البيعِ من دار الشروق، أنت تعرف الأسعارَ الآن، إن جاءَ أحد (سلّكْه) سأخرجُ لأدخّن... ساحة قاعة بلديّة رام الله في ذلك الوقت، كانت ساحة علاقات عامّة، تمتلئ بابتسامات التقطتها بعيني خبير، بعضها متكلّف، وبعضها مرحٌ يدعو الآخرين للانتباه، أما النظرات فكلابٌ بوليسيّة تبحثُ عن أي شيء، والحواراتُ كلامٌ في كلامٍ في كلام، حواراتٌ لإثبات الوجود، والحضور، والأنا... حوارات أجدها في كتبٍ كثيرة كلامًا لا طعم له.

سيجارة واحدة، هنديّة، أحرقتُ بها صدري سريعًا، وعُدتُ لأتمّم الصورة الأوسع، لأسُدّ الهامشَ بثيابي، فراغٌ صغيرٌ هناك إلى جوار الباب لا بُدّ أن أكون فيه...

 "عمّي صارَ عندك وانضمّ إلى باقي من أحب، إنكم تتساقطون واحدًا وراءَ آخر، لم يبق من طفولتي سوى قليل يُحرّضني، وملامح غزاها شيبٌ، ووهنٌ، وعُمرٌ يمضي بلا رأفة إلى مجهول... والدي العزيز مِتّ كيفما شئت، لا مرضٌ هدّكَ، ولا عجزٌ أذلّ عُنفوانكَ، ولا كتفٌ سنَدَ شيخوختك في المسير... مِتّ كما رغبتَ وزيادة، عزيزًا، موفور الصحّة، خطفًا إلى الغياب أُخِذتَ، وتركتَ ليّ كلّ عباراتك، كلّ قصصك ومغامراتك وأسفارك وأخطائك، ومواقفك، وعصبيّة في شهامتك، وسجائرك، واسمكَ في صدرٍ قُدّ لحظة موتك من ألم، أُعيدَت خارطتي إلى الصفر، وفُتح لي سفرٌ من تيه في أماسيّ حُقلت في خريف قلب وحيد، وطفلٍ كان أنا بكَ، وفتىً كان أنا بك، وشابّ صار نُقطة في روايتك، نقطة صغيرة لكنّها مُحمّلة بالعناء.

 حتى الآن لم أجد نفسي سوى بالفرار، الفرار من كل شيء، لا طاقةَ لي على مقاتلة المدينة في سبيل رغيف خبز، ولا قوّةٌ أستجمعها في قلم رصاص أو حبرٍ أؤشّر بأحدهما تحت عبارة حمقاء، بلا معنىً، سوى أنّنا في زمنٍ بلا فاصلة في سياق مبنيّ على معلوم الركاكة، والضعف.

 لستُ الابنَ العاقّ، بل اخترتُ طريقًا صعبة لرثاء الماضي ونفسي، طريقًا من أسنان تصطك ببعضها كلّ قهر، كلّ ضعف، كلّ وجعٍ، كلّ ضياع، طريقًا دائريّة ألفّها كل يوم مرّتان... كلّ مرّة تكسر ضلعًا، يكسرُ نسيجًا، يفتق لحمًا، ينزف دمًا وعرقًا وذاكرة تتألّم... تتألّم بشّدة حتى اعتزلتُ أهلكَ، وناسكَ، وصحبَك، وكل من تعرفُ، أبي، ظننتُ أنّ هذه الطريقَ أرحمُ من مُعاشرة العائلة، حتى إن فُجعتُ خفّت الصدمة، وتبخّرَ الشعور... خبتُ وخاب ظنّي، فالموتُ ينكأ الموتَ، ويُحضره من الغياب".

 أأكتُبُ ما يعتملُ في هذا التجويف؟ أأكتُبُه كاملا أم ناقصًا أم أُشير إليه؟ حدّثتُ نفسي فوق تلك الأريكة، دامع الفؤاد، مُنتظرًا نهاية الساعة الثامنة والثلاثين من العُمر... أنا المدعو "واثق طه".. أجيرُ الورق، وبائعُ الكُتب... أعترف من تلك الطاولة الجانبيّة في هامشها الضيّق: إنّني ما زلتُ أحترق... أحترق بأل التعريف في اسمي لا كذب".