سأكتب "قَدَمْ"

سأكتب "قَدَمْ"
  • رواية قدم
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 1097 مرات

نصٌّ كتبته ثملًا عام 2016 مساءَ يومٍ فيه أفرط في الحماسة من اكتشفوا أنّ اسم الأمّ ليس عيبًا، فاجتاحت "فيسبوك" موجة من منشورات تحمل أسماء أصحابها، وأمهاتهم... حملة نسويّة  لم ترُق لي، كانت "موضة" كباقي الموضات،

لن تغيّر في سلوك أحد سوى أنها أضفت جوّا مختلفًا على صفحات التواصل الاجتماعي لا أكثر.. شيءٌ ما حرّضني أن أسخر من تلك الحالة، فخرج هذا النصّ، ليقول: إنّ الجرأة أن نعترفَ ببؤس أفكارنا، وعفنٍ يدخل في تركيبة نظامنا المجتمعي.

"اسم أمي العرجاء "بهيجة" أما خالاتي الشريرات قاطعات الطريق فأساميهن بالترتيب: سكينة وصبحية وجُهينة وجملات... جدتي العجوز النّكدة اسمها "هيجر"... ولي شقيقة قتلها أخي "حابس" على خلفية الشرف، اسمها "بتول" وكانت كذلك... أما عمّاتي فأقلّهنّ لؤمًا كانت الصغيرة "عبسة" والباقيات: حبسة وخلجة وصفرة، كان حضورهنّ في أي مكان نذير شؤم وسوء طالع... إحداهنّ كانت زبونة دائمة عند مشعوذٍ سامريّ لتتأكدَ من إفقارِ جارتها "ثريا" ابنة الحسب والنسب. أما أنا فكنت طفلة صغيرة لما مات أبي، وُلدت على حين غفلة من "بهيجة" التي ما قصّرت ليلة في منح جسدها لوالدي "الفحل" وشقيقة صُغرى لستة شباب أعقلهم لم يكن يضربني سوى بلسانه، وأخواتٍ بائسات، إحداهنّ "صباح" التي زوّجوها عنوة في سنّ الثالثة عشرة لابن عمّي، والثانية "سميّة" زوجة رجل الإصلاح الذي حرمها من زيارتنا سنوات عديدة بعد أن تنازلت قهرًا عن ميراثها لإخوتي، حتى قبل أن يموت أبي...!

أما أختي الثالثة "بتول" فكان ذنبها أنها أحبّت ابن جارتنا الأفندي المُتعلّم، بعد أن قرأت خلسة رواية عن الحبّ نسيها أخي البكرُ "محمود" في غرفتنا... التقته سرًّا وضبطوا بين ثيابها رسالتين منه في إحداهما يقول: "بتول العزيزة... إن القمرَ يشهد على إشراقة الحبّ في قلبي منذ وقعت عيناي على وجهك البدر... لستُ أدري مجهولنا المُنتَظر، لكنني أعدُك باسم كل إله عُبدَ أن يشهد العالم لنا عرْسًا بلا نظير... وحبّا لا ينضب... وذريّة تنجو من بؤس المُحيطينَ وتُرّهاتهم"... بتول شقيقتي التي ضُربت حتى الموت، جثتها هناك أسفل شجرة الزيتون في أرضنا القصيّة، تروي التراب بالحزن المُنساب على خديَّ كلما ذكرتني بها دموع طفلة بريئة حيث أعمل، منذ نفَيْتُ نفسي بعيدًا، صوب شروقٍ بلا ألمٍ ولا ظُلم".

 

نصّ كان من تعليقاتٍ جاءت عليه: من أيّ كتاب هو؟ وسألني بعضُ الأصحاب وأنا من فضح نفسه في رواية يكتبها ولم يُنجزها حتى الآن: أهذا شيء من تلك الرواية؟ نفيتُ، وعدتُ إلى إهمال الكتابة لصالح مكافحة الضنك في تأمين لقمة العيش! إنّ فشلي في تأمين حياتي صار عادة، ومقارعتي لهذه الوضعية "إدمان قسريّ"... هذا النوع من الإدمان لا علاجَ له، فلا مكاتب عمل تدعم العاطلين عن العمل، ولا سوق لدينا تكفي لحملنا جميعًا... 

يعود النصّ اليومَ ليذكرني به بشكل أو بآخر في وقتٍ أقترب فيه من خوض أي جنون، أو ربّما يأسٍ آخر، لا أعلم... حدّثتُ نفسي: "ماذا لو قررت أن أحوّله إلى عملٍ أكبرَ... عملٍ لن أنفذه كي أنشره فيما بعد، بل سأكتبه أمام كل من يتابع، سأبدأ ذلك العمل من حيث توقّفَ النص وسأنشره أولًا بأول، لن تكون لديّ فرصة لإعادة البناء، أو تغيير مسار الحكاية، ولن أمتلك القدرة على قتلِ مشاهدَ أو استبدالها، سأخرجه هكذا منشورًا في موقع المراسل في مواضيع من أوّل كلمة حتى آخر سطر... لمَ لا؟ ...لن تكون مهمة  أصعبَ من البحث عن رغيف خُبزٍ، أو تمكينٍ بين النّاس، فقد حدّدتُ المستحيلات سلفًا وأيقنت أنّ كلّ شيء سهلٌ أمام الأمن الاقتصادي والوظيفي، والمعيشي للفرد... فلتكن إذًا مغامرة جانبية، الحديث في أضرارها الافتراضية سيكون دعابة في واقعٍ تجاوز مرحلة الأضرار إلى مرحلة الانهدام... لا شيءَ أخسره..."

"ليكن اسمُ الرواية "قَدَم"... إنّ اقتراح وضاح زقطان للاسم كي تحمله قصّة أخرى حدّثته عنها، يجوز إسقاطه على هذا العمل... حسنًا، وليكُن في مجموعة كبيرة من المنشورات بلا عودة إلى الوراء... سيكون كالرصاصة إذا خرجت لن تعود إلى مخزنها... سيخرج إلى الملأ بخياله الأوّل، ومشاهده الأولى دون تغيير... أأعلن الأمر أم أبدأ الكتابة والنشر دون سابق تحذير؟... سأعلن الأمر أولًا... وسيكون المنشور الأول من قدم خلال الأسبوع القادم.. دون أن أكبّل نفسي في السطور وإعلان صريح لن أُكملَ الفكرة..." ولأنّني لا أريد للحظتي تلك أن تنطفأ أكتب الآن تلك الظنون، سأنشرها  هي الأخرى دون تغيير أو تحريف... وليكن ما يكون.