قَدم -1

قَدم -1
صورة تعبيرية Source: google
  • رواية قدم
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 768 مرات

اسم أمي العرجاء "بهيجة" أما خالاتي الشريرات قاطعات الطريق فأساميهن بالترتيب: سكينة وصبحية وجُهينة وجملات... جدتي العجوز النّكدة اسمها "هيجر"... ولي شقيقة قتلها أخي "حابس" على خلفية الشرف، اسمها "بتول" وكانت كذلك...

أما عمّاتي فأقلّهنّ لؤمًا كانت الصغيرة "عبسة" والباقيات: حبسة وخلجة وصفرة، كان حضورهنّ في أي مكان نذير شؤم وسوء طالع... إحداهنّ كانت زبونة دائمة عند مشعوذٍ سامريّ لتتأكدَ من إفقارِ جارتها "ثريا" ابنة الحسب والنسب. أما أنا فكنت طفلة صغيرة لما مات أبي، وُلدت على حين غفلة من "بهيجة" التي ما قصّرت ليلة في منح جسدها لوالدي "الفحل"... شقيقة صُغرى لستة شباب أعقلهم لم يكن يضربني سوى بلسانه، وأخواتٍ بائسات، إحداهنّ "صباح" التي زوّجوها عنوة في سنّ الثالثة عشرة لابن عمّي، والثانية "سميّة" زوجة رجل الإصلاح الذي حرمها من زيارتنا سنوات عديدة بعد أن تنازلت قهرًا عن ميراثها لإخوتي، حتى قبل أن يموت أبي...!

أما أختي الثالثة "بتول" فكان ذنبها أنها أحبّت ابن جارتنا الأفندي المُتعلّم، بعد أن قرأت خلسة رواية عن الحبّ نسيها أخي البكرُ "محمود" في غرفتنا... التقته سرًّا وضبطوا بين ثيابها رسالتين منه في إحداهما يقول: "بتول العزيزة... إن القمرَ يشهد على إشراقة الحبّ في قلبي منذ وقعت عيناي على وجهك البدر... لستُ أدري مجهولنا المُنتَظر، لكنني أعدُك باسم كل إله عُبدَ أن يشهد العالم لنا عرْسًا بلا نظير... وحبّا لا ينضب... وذريّة تنجو من بؤس المُحيطينَ وتُرّهاتهم"... بتول شقيقتي التي ضُربت حتى الموت، جثتها هناك أسفل شجرة الزيتون في أرضنا القصيّة، تروي التراب بالحزن المُنساب على خديَّ كلما ذكرتني بها دموع طفلة بريئة حيث أعمل، منذ نفَيْتُ نفسي بعيدًا، صوب شروقٍ بلا ألمٍ ولا ظُلم.

 "بتول" صارت وطنًا ومنفىً أعيشه كلّ يوم، بكلّ ما مرّ فيّ من قلقٍ، وخوفٍ، وندم، وأناسٍ حمقى، وأراذلَ، وتجاربَ لم تخلُ من قسوة واستغلال، ... حاصرني موتها عامًا كاملًا بالرّعب من حفيف الأشجار، وهمسات الطيور في الحقل القريب، كان يكفي أن يمرّ اسمي على لسان من حولي ليرتجف الذعر في قلبي، لكنّ بتول لم تُخفِ صرختها الأخيرة عن أحلامٍ لاحت فيها طيفًا يرتدي البياضَ ويدعوني لأن أحيا كيفما لا يريدون لي، كانت طيفَ خلاصٍ في النهاية من تلك الغرفة المعتمة، وأرضٍ تغمرها الدماء، دماءُ أختي البريئة.

لا أعلمُ ما الوطن سوى بما يُثير فيّ الحنين إلى تلك البئر حيثُ لهوتُ طفلةً تُشرق ضحكات شقيقتها على شفتيها. وطنٌ تبقى لي منه دُميةٌ باليةٌ تحكي للكُتبِ منذ أجلستها على رفّ مكتبتي الصغيرة، كيف كانت أميرةً وضعها ابن جارتنا في حضن بتولَ ونحن في بداية العمر، لمّا لعبَ معنا في يومه الأخير قبل انتقاله مع أسرته إلى خارج البلاد... أمّا المنفى الذي لم أغادره لسنوات، ففيه شقيقتي تدعوني كلّ يومٍ أن أشقّ طريقًا أخرى للثأر من تلك العادات التي أطاحت بأحلامها، وحيوات أخريات بائساتٍ مثلنا. 

أذكرُ كيف كانت تجلسُ على طرف سريرها المعدنيّ، حاسرةً ينسدل شعرها الأسود على كتفين يحملان فستانًا قطنيّا تكسرُ لونه الرماديّ ياسمينات بيضاء حُقِلَت في نسيجه الرث، كانت تحبّ الياسمين، وتحمل كوبًا يُطلقُ الشاي منه بخارًا فاحَ برائحة النعنع  الشهيّة، وهي تتنهّدُ لتحدّثني كيف كان بطل الرواية التي وسّدتها فخذيها شهمًا في الحبّ، معطاءً في التضحية لمن أحبّته بسخاء، كانت تروي لي أحداث القصّة بشغفٍ أثار وُجدانها، وأنا أتابع وجهها الأبيض يتورّد دون أن تتوقف شفتاها عن الحديث، بينما تنعكسُ من عينيها السوداوين أحلامٌ اشتعلت في خيالي، وشيئ من رهبةٍ سرت إليّ من وراء الباب حيث تتجمع أسرتنا في ذلك الشتاء.

- أيمكن أن يحبّ أحدٌ "ابنة الفحل"؟ أيمكن أن يكون لي قصة مثلهما؟ نظرت إليّ تحثّني على الإجابة، فضحكتُ متجاهلة كلامها وأجبت: دعيني منك أيتها الهبلاءُ، يجبُ أن أنام حتى لا أصحو على صراخ أمّك تكيل شتائمها المعتادة، لدينا عمل منذ الصباح.

- حسنًا، حسنًا، أعلم... العائلة ستجتمع غدًا... وعليّ أن أحتملَ ثقل ظلّ ابن عمّي ونظراته السيئة، أتعلمين أيتها الكسلاء، إنّك تستحقين شخصًا مثله أو آخرَ بكرشٍ كزوج سميّة... وقذفت عليّ وسادتها ثمّ أطفأت السراج ولفّت جسدها باللحاف...

لم يكن في بال أيّنا تلك الليلة مهما جمحت فينا الأحلام أنّ الحبّ كَمَنَ لها هناك عند البئر منذ سنوات، خامدًا سيثور بعد شهور قليلة بعودة "كريم" من الخارج، لأشهد على حبّهما عامًا كاملًا، حتى ضُبطَا في غفلة صيفٍ لمّا لمحهما "حابس" يتبادلان الحديثَ السريعَ في ظلّ زيتونة، وكريم يمسك راحتها ليدسّ فيها رسالته الثانية قبل أن يمضي في طريقه جاهلًا أنّه اللقاء الأخير...

كنت في باحة البيت ألقمُ الطابونَ عجينَ الخُبز، ضائقة النفس، مُهتاجة من توبيخ "بهيجة" لمّا ضبطتني أتأمّل وردة بيضاءَ في شعري أمام المرآة، لم يكن يُعجبها شيءٌ، وما فعلته مدعاة "ميوعة" وميلٌ للوقاحة، المُنافقة... حدّثت نفسي حانقة، لطالما سعت لإرضاء والدي، فما يقوله صوابٌ على الدوام، وسوء معشره رجولة، وانغماسه في النميمة والوشاية حظوة ومكانة! أما وردة بيضاءُ في شعري فعارٌ مُستَشْرف، وفضيحة مُفترضة لا محالة.

والدتي مارست دور الشرطيّة باحتراف وسذاجة، فأيّ قبحٍ أن ترُدّ لفحلها كلمةً، وأي عارٍ ستلقاهُ إن لم تمزج طاعة الزوج بالسّترِ، فبهيجة ابنة أبيها، وزوجةُ رجُلها، وأمّ ذكورها، هكذا لا شيءَ آخرَ يحمله اسمها مُنذ فقدت معناه لمّا قبلت كغيرها أن تكون ظلًا خلف الرجال.

كان والدي  يضمنُ أرضًا لأحد المالكين، يحرثها وإخوتي، ويعتني بها حتى موسم قطف الزيتون، ويعمل ثلاثة من إخوتي في معصرةِ المالكِ في كل موسم "بدّادينَ"... وبين كلّ ذلك يبيع شيئًا من محاصيل يزرعها، ويبني "السناسل" دون أن يغفل عن أيّة فرصة يتقرّب فيها من إحدى العائلتين المُتنازعتين بمعلومة تُفيد في خصومتها من الأخرى، حتّى إنّه اعتدى شابًا في جنح الليل، قبل ميلادي بيوم، على أشجارِ زيتونٍ تملكها إحدى العائلتين، نظيرَ بضعة دنانيرَ عطيّة من الأخرى في موجةٍ أصابت القرية بفساد النوايا، ونزاع على "المخترة"، هكذا استقبلَني أبي ورحّب بي عام 1950...!

 "يومٌ كالكحل... اللعنة على هذه العيشة" تحسّستُ كتفي الذي دقّته "بهيجة" بقبضتها وهي تشدّني من ذراعي لأباشر الخبيزَ، بينما نعتتني "بالغضيبة"... كانت كلمة على ألسن النّاس، عجيبة أريبة، تحمل من المعاني ما يكفي لاختصار اللغة كلها، واختزال كل معاني التوبيخ، وتصلح لترجمة أية شتيمة بلغة أخرى! فنحن "غضيبون" إن فعلنا ما يثير الإعجاب، وإن أثرنا حفيظة الآخرين، وإن استنكرنا فعلة ما... وإن نادينا على بعضنا، كنت صغيرة لما ظننتُ يومًا أن سورة الفاتحة تقصدنا بالمغضوب عليهم.

اندفعت "بتول" إلى الباحة من مدخل لم نُركّب له بابا، ومرّت بي وهي تنزل بيدها "العَصْبةَ" عن شعرها مُسرعة إلى البيت... لم يكن بيتًا كبيرًا، بل بناء حجريّ قديم بسقف "جملون"، نأوي إليه في غرفتين، واحدة لوالديّ، والأخرى تشاركتها وشقيقاتي حتى آلت إليّ وبتول، أما إخوتي فكانوا ينامون في فسحة بين الغرفتين إلا أخويّ الكبيرين، محمود العاقلُ وحابس المُتنمّر، خصّهما أبي بغرفة من طين وسقفٍ خشبيّ ألحقها بالدّارِ إلى جانب "مطبخة وبيت خارج".

 سحبتُ رغيفَ الخبز من الطابون، وهرولتُ وراء بتولَ كي أعرفَ ما حصل في لقائها بكريم، كنت على علم بعلاقة الاثنين وموعدِ اللقاء، مُنذ مرّت بنا شقيقته في الليلة السابقة لتُسِرّ في أذنها رغبتَه أن يلتقيها،  كانت ممدّدة في سريرها تحمل الرسالة بيديها وتقرأ وعودَ كريم،  لما اقتحمت الغرفة وخطفتُها من يديها لأقرأ ما فيها: "... كم أودّ أن يُطيعني لسانُ الحياء فأفكّ منه عقدتين تُطلقان ما في القلبِ من كلام، غير أنّي أسلمتُ للعينين فِعلَ النّطقِ، كُلّما توسّمتُ الشوق في ملامحك، أيكونُ لنا من الفرح نصيبٌ فنحيا؟ عقدتُ العزم أن أُفاتح العائلة برغبتنا، علّ أن أوفّرَ الأسباب، وأكسرَ الحواجز بيننا، بتول العزيزة..."  

 - الله الله... علّقتُ مُشاكِسةً إياها وهي تسحب الرسالة من يدي محمرّة الخدّين، كانَ خطّ كريم ينساب على السطور أجملَ من قراءتي البطيئة، وأحمدُ الله أن فعل أبي حسنة لنا لمّا أخذ بتوجيه مالك الأرض، أن يمنحنا فرصة التعليم في ابتدائيّة كانت غرفةً صغيرةً، تبرّع ببنائها وبأرضيّتها وجيهٌ من أبناء القرية المُغتربين، كي تستقبلنا فيها المُعلّمات، ومنذُ أدركنا أهميّة المعرفة، وأنّ عالمًا يضجُّ بالجديد وراء حدود الزيتون، وكلتانا نتوسّلُ أبي أن نتعلّم أكثر... كانت بتول فضوليّة تُحبّ كل جديد، وتسأل عن كل مجهول، لكنّ والدنا كان دومًا يواجه رغبتنا بالرفض، فيزجرنا بقوله: "بكفّي تفكّين الخط".

 عبارة لذيذة تلك التي يُعبّر فيها النّاس عن محو أميّة القراءة، الخطّ إشارةٌ رمزيّة للحروف والكلمات، كأنما هي طلاسم، وعُقدٌ تحتاج أن يفكّها خبير، مهمّة معقّدة تحتاج إلى ذهن، أليسَ كذلك؟

(فكّت) بتولُ الخطّ حقًّا، واستطاعت أن تجدَ قلبها في عصيان الظلم، كانت تعودُ من هوّة الإنكار إلى حقيقة إنسانيتها واستكشاف شخصيّتها، وإدراكها أن تقرير مصيرها في الحياة حقّ لها، حياةٍ لا يتحكّمُ في مآلها أحدٌ كأبي الذي أدركت بفطنتها أنّه لن يُعارضَ مِنّة السماء بتزويجها من ابن مخدومه، فوالدنا ما كان ينظر للأمور من داخله، بل من  حقيقة فقرنا، وشعورٍ بالدونيّة أمامَ نجاحات الآخرين، وأصلهم وحسبهم، وما يملكون، لم يحاول سوى إلحاق نفسه بأحدهم، لا ألومه أبدًا، فكيفَ يُمكن لإنسانٍ أن يُدركَ ماهيّته، وما يمتلك من قدرات، واحترام للذات، وأهميّته، في بيئة تُصادرُ فيها سلطة الكبير شخصيّةَ الصغير الناشئ على تعاليم مقزّزة، تُخضعُ الفرد لكبار القبيلة، وإن كانوا مجموعة من الجهلة لا يؤهلهم لتلك السيطرة سوى السنّ وحكايات بطولة مزيّفة؟ هكذا وجد أبي نفسه فردًا آخر في قطيعٍ يُجهزُ أسرته لتلتحق بذلك الإرث.

لم تخشَ بتولُ موقف والدنا، لكنّ أشدّ ما كانت تخشاه ما تحمل الضفة الأخرى من نهر الأحلام، عائلة كريم، أيقبلون بها "كِنّة"... لا فرقَ بين عائلة ثريّة إقطاعية أو عائلة متواضعة في ريفِ عقولنا، لكلّ طرف نقائصه، ونزعته، وإن كان بعضنا يشعر بالدونية، فالآخرونَ يأكلهم التعالي، ولا صوتٌ يُسمعُ من حصيفٍ بين الإثنين، وإن تصاهرت عائلتانِ تبقى الفوارق بائنة في كل مُناسبة، أو غمزة، أو لمزة، فوارقُ صُنعت بالوهم، أنّ الإنسان مراتبُ وطبقات.

- "ولِكْ... بوافقوا؟"

تساءلت بتول ساهمة، قلقة، إنّ طرفي المُجتمع مُتفقان على أمر واحد فقط، أنّنا لا نحملُ صفة شخص، بل شيء! وإن قيل كل ما يقال عن فلذات الأكباد فهذا زعمٌ ووهم، طالما لا رأي لنا كأي شيء يُنقل من يمين إلى أخرى... لا قرارَ لها سوى أن تنتظرَ القرار، قرار والدها، وتلك العائلة، وقُدرة كريم أن يمتلكَ الشجاعةَ، وموقفًا يخرج عن مألوفٍ في سلطة الأب والعائلة.

"ولِكْ" أولى لبناتٍ تبنى أسوارًا حولَ الإنسان، حول صوته وصورته، إنّ أصواتنا منسوخةٌ عرجاءُ كرجلِ بهيجة، وبتولُ تفرّط بشرف العائلة، الويلُ لها إذًا... ويلٌ سيحدث لتلكَ "الوَلِك".

نظرت إلى شقيقتي بعطف، لكنّ هواجسي دفعتني إلى توبيخها: واللهِ... ستجلبينَ لنا المصائب، ولو عرفَ الجميع بلقاءاتكما فسيحدث ما لا تُحمدُ له نتيجة، سيكون خزيًا ما بعده خزي "الله يسترنا"... ماذا سيقول عنّا النّاس، قد حذرتك سابقًا... لكنّك لا تعقلين... ثم أردفت: "يا خوفي يكسروا راسك".

كنتُ حمقاءَ بالفعل، ونطقتُ كُفرًا في حينه، لكنّ ما حرّكني كان الخوف فقط، خوفٌ تربينا عليه في دقّ التبعيّة المُطلقة أوتادًا في عقولنا تضمنُ الولاء والطاعة للعائلة، كي نصونَ أعراف القرية... نطقتُ ببلاهة ما كان نبوءة ما خلتُ لحظتها أنّها ستكون واقعًا وحقيقة  والسببَ في إشعال نار الموت والكراهية والظلم.