قدم - 2

قدم - 2
  • رواية قدم
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 290 مرات

تركتُ بتول ساهمة في سريرها لأكمِلَ الخبيز، فبهيجةُ ستعودُ من بيت الجارةِ في أي وقت لنبدأ إعداد الطعام، ولا أحتاجُ منها إلى مزيدِ توبيخٍ أو اتهام بالتقصير، فمزاجها نكدٌ مُنذ أسقطت زوجة محمود حملها.

"محمود" لم تُنجب له "سعاد" سوى "العبد"... بكرٌ وحيدٌ حمل اسم والدي "عبد اللطيف"... فرحت به بهيجة وأطلق على محيّاها الكهلِ ابتهاجًا طفوليًّا كُلّما هدهَدَته في حضنها، راجية من الله أن يكون له من الأشقاءِ ما يُلقي في بيت والده الخير والسرور، يومَ ميلاده أطلقت زغاريدها لتكسرَ حدادَ سنة على مقتل شقيقها عام ٦٥ بعد زواج محمود بشهور.

لم يكن زفافُه الأولَ في بيتنا، بل سبقه إلى الزواج حابسُ، ويحيى، وصالح، وشقيقتاي صباح وسميّة، أما هو فكان عازفًا عن الزواج حتى أُغرمَ بسُعاد ابنة جاره "النّابلسي" في فترةٍ شغله فيها التدريس وأغرقته أفكاره اليساريّة، بعد أن أجبرَ والدي أوّل الشباب على بيعِ "عرقين زَتُون" ليكملَ تعليمه في دار المُعلّمين... دارٌ حرّضه على الانتظام فيها مُعلّمٌ توسّمَ فيه الفطنة، ورغبة في التقدّم إلى الحياة بشيء آخر غير الزراعة وأعمال الأرض.

هكذا أوجدَ محمودُ لنفسه حياةً أخرى تنازل فيها عن كثيرٍ من دور الأخ الأكبر لأخي حابس، المحتشد أنانيّة ولؤمًا، لكنّه بقي ملاذًا نلجأ إليه كلّما حلّ من المدينة ضيفَ أيام قليلة، نستردّ فيها شيئًا من إنصافٍ كُلّما أسكتَ حابس وتصدّى لسوء نيّته بنظرة صارمة واحدة!

كان حابس ينكمشُ على مضضٍ أمام محمود. تتهدل أطراف شاربه وتحلّ في عينيه نظرةٌ مُنافقة! فلشقيقنا الأكبر هيبةً وحضورٌ يكنسان من فضاء البيتِ ما يُثيره الآخرُ من ضجيج وسلبيّة، ونميمة... حابسُ نُسخةً أكثر فسادًا من أبي، تشرّب أطباعَ السوءِ وأظهرَ الحسدَ في أكاذيبه، واستمرأَ الباطلَ وسعى فيه بينَ الآخرين.

كيف يمكن أن يتشاركَ اثنان جيناتٍ تذهبُ بكليهما إلى طريقين مختلفتين؟ أومنُ أنّ للإنسانِ إرادةٌ تتغلبُ على أيّ شيء، هو يحتاج فقط أن يُلفتَ انتباهه إلى مُختلفٍ يضيء ذهنه وروحه بثقة تملأ النفس وتولّد تلك الإرادة، فيبدأ في تغيير ذاته بعد قراءته ظروفَه وما تربّى عليه بطريقة مُختلفة، طريقةٍ أخذت محمودَ إلى الثورةِ والنضال.

مرّ نهارُ ذلك الخميسُ هادئًا يُثيرُ الريبةَ من هدوء حابس ولُطفه المفاجئ، لكنّه لم يخلُ من مُتعة نشرتها "خِلْفة" شقيقاتي وأشقائي، كان اجتماعنا في سهرة نهاية الأسبوع أمرًا اعتياديًّا لم يخلُ من انقطاع، وفي تلك الليلة لم تفتقد ساحة البيت لأحدٍ سوى محمود وزوجته، وليته كان بيننا.

كان أبي مضّجعًا على أيْسَره بينما يسندُ رأسه براحته وقد اتكأ بمرفقه على مسندٍ محشوّ بالقطن، فيما تحلقنا حوله على “الجَنْبيّات" نتحدثُ، ونصخبُ، ونتضاحك، أما هو فكان يجول بعينين أذبلهما المرضُ على وجوهنا، يمتقع وجهه الحليق سوى من شاربه، فيما بدى على ملامحه السمراء وجومٌ ظننته بفعل السلّ الذي أقعده في المنزلِ منذ شهور.

والدي أسمرُ ممتلئ الجثّة، مربوعٌ، تعلو خدّه الأيمن المتغضّن شامة بارزة، ويعلو أنفُه المستدير الضخمُ شاربًا صغيرًا يشبه شاربَ شارلي شابلن، تقليديّ المظهر، يرتدي "ديمايات"  مهما تبدّلت يشدّها على خصره حزامٌ بنيّ عفا لونه، ويعتمر كوفيّة بيضاء تحملُ عقالًا قلّما اعتنى بوضعيّته على رأسه...!  أما في حديثه فهو صاخبٌ، يرطنُ رطنًا جلفًا لا تستطيبه أذنٌ، أو تألف له ذائقة، ولا يفوّت فرصة يُدلي فيها بدلوه في أي شيء، إلا أنّه مال إلى الصمت في تلك الليلة التي لم أغفل فيها عن نظرات حابس إلينا، وإيماءاته إلى والدي بين الفينة والأخرى.

ولأنّنا اعتدنا من حابسَ على الخبث، ظننتُ أنّه يُجاري أحاديثنا بمثل تلك الإيماءات، والابتسامات الصفراء...

- "ابتعرفو شو قالتلي إم السعيد اليوم؟" قالت بهيجة فجأة، وتابعت لما أدركت أنها استحوذت على اهتمام الجميع: المُختار في حالة سيئة، ووضعه "مش تمام"... "شكله مش مطوّل"، فردّ عليها زوجُ سميّة "أبو عُمر": "الله لا يردّه، شو باقي عامللنا!".

ليندلعَ حوار جديدٌ أطلقت شرارته "بهيجة" وتلقّفه الجميعُ بعد عبارة زوج شقيقتي بالاعتراضِ والمُناقشة الصاخبة... مُناقشة أغضبته وهو الذي طالما حاول أن يكون ذا حظوة في القرية بتدخلاته في شؤون الآخرين باسم "الإصلاح"، ليُنهي الجدال وهو يهبّ واقفًا على قدميه داعيًا زوجته للمغادرة بطريقة حادّة "يلّا يا مرة... قومي".

"مَرة" كلمة نكراءُ، بذيئة الوقع لما يستخدمها الرجالُ لتنكيرنا، إلا أنّنا قبلناها بسذاجة للتمييز بين "البنت" والمتزوجة، مع أنّ الكُنيَة تكفي لذلك، إلّا أنّ الإيحاء الجنسي الذي تحمله تلك الكلمة مُفضّل للرجالِ، ربّما يثيرُ فيهم شيئًا ما، شيئًا ينقصهم بكل تأكيد! غير أنّها لا تثير فيّ بعد كل هذا العمر سوى الشعور بالقرف. الغريبُ أنّنا حتى الآنَ، في مثل هذه العيشة المُختلفة والمفاهيم الجديدة، ما نزال نجدُ من تقبل أن تكونَ "مرَة"... أما أن نجدَ من الرجال من يقول تلك الكلمة فهذا أمرٌ لا بدّ منه، فالرجالُ يصعبُ انتشالهم من عُقدِهم وقناعاتهم العنصرية... حسنًا: إنّني أحبّ أن أغيظَهم مُنذُ اخترتُ أن أنتزع حقوقي من جِحاظهم!

هكذا انتهت تلك السهرة، سهرتي الأخيرة مع "بتول"... فحابسُ من باكورة الفجر أفاقها من النوم لتُعدّ فطورًا مستعجلًا صرّته على عجل، لترافقه وأخي صالح صوب ما تبقى من قطعة الأرض التي نمتلك، بذريعة احتياجهما لمن يُعدّ لهما الشايَ بينما يتفقدان أشجار الزيتون.

خرجت "بتول" ولم يعُد منها سوى رشقُ دمٍ على ثياب صالحَ، وذنبٌ لاحَ في وجهه المُرتبك، وبدا في ارتعاش كفيه وهو يدلف إلى غرفة حابس القديمة، أما الأخيرُ فدخل من باب المنزلِ واجمًا وخطا إلى غرفة والدي ليدخلها فورًا.

شيءٌ ما قفز إلى صدري وعاثَ فيه بالقلق، شعرتُ بالخوف من منظر الإثنين، وأنا أتابعهما ويدايَ عالقتان بثوب بهيجة المبتلّ في الهواء، دون أن أضعه على حبل غسيلٍ مَدَدته أوسط الباحة بين مسمارين، أحدهما على واجهة غرفة حابس ومحمود القديمة، والآخرُ على عمود حديديّ صدئ يجاور مدخل الباحة.

هاجسٌ مريبٌ سيطر عليّ سريعًا، إنّ أمرًا ما حصل، وأين بتول؟ لم تعد معهما، وما تلك الدماء على ثياب صالح؟ أتراه أُصيب بجرح؟ رميتُ الفستان على الحبل وهرولت إليه، كان يُغلق على نفسه، ونحيبه يعلو من الداخل، فطرقتُ الباب وأنا أسأله عن حاله مذعورة... فلم يُجب... هرولتُ إلى باب الدّار مرتجفة الفؤاد فاقتحمته في اللحظة التي أغلق فيها حابسُ باب الغرفة وراءه على والديّ قاصدًا الخروج من المنزل، فاستوقفته وسألته: ما بالُ صالح؟ وأين بتول؟ لم يُجب سوى بعبارة واحدة خرجت منه صارمة حازمة: "توكلي عَ الله" وأزاحني بيده مُغادرًا دون أن يلتفت وراءه.

كان ذلك أوّل الظهر، ما جعلني أستعين بالسذاجة لأطمئن نفسي: إنّ صالحَ ربما أصيبَ أثناء العمل فأغلظَ له حابس القول واضطرّ الاثنان على العودة، أما بتول فذهبت لتُحضر الطبيب... "لأنتظر علّ المانعَ خيرٌ"... حدّثت نفسي، وأنا أعودُ لأتابع نشرَ الغسيل بفتور، أما صالحُ فلم أسمع له حسًّا يخرج من الغرفة بعدها، علّه نامَ من شدّة الألم.

مرّت ساعة، وساعتان، لم يخرج والداي من الغرفة، ولا صالح أيضًا، ولم تعد بتول، قصدتُ غرفة والديّ وطرقت بابها بقوة: "يمّا... يابا بتول طوّلت وما رجعت..." طرقتُ كثيرًا حتى فتحت "بهيجة" البابَ، كان أبي يتمدد في سريره، أما هي فرمقتني بنظرة شابَ الغضبَ فيها شيءٌ من حزن، ثم ألقت إليّ بأوراقٍ كانت في راحتها اليمنى، وأغلقت الباب وأنا أنحني لألتقط تلك الأوراق التي ما إن نظرتُ فيها حتى خفتُ... إنهما رسالتا كريم... لقد فُضحَ أمرُ بتول.

 

صرختي شقّت سماءً تلبّدت في ناظريّ مساءَ ذلك اليوم المشؤوم، صرخةٌ خرجت تكوي فؤادي بألم وذعر وصدمة أسالت دمعًا ما سالَ مثله من مقلتيّ يومًا منذ ذلك الحين... صرخةٌ طويلة جاءت بعد أن أطاحَ صالح بعقلي لما خرج من الغرفةِ في حال سيئة... ليخطو إلى حيثُ أجلس دامعة أترقّب بسذاجة عودةَ "بتول" بعد أن أمطرتُ حابس بأسئلة لم يُجب عليها منذ عاودَ إلى المنزل وحيدًا برفقة عمّيَ الأكبر... نهرني الاثنان ودلفا إلى البيت وهما يطلبان منّي البقاء في الخارج...

- بتول... (قال صالحُ بنبرة مرتبكة، وصوت دامع).

- مالها؟

- بتول راحت... مش راجعة.

كنتُ أتربّعُ على "جنبيّة" إلى جانبِ باب البيت لمّا وتّر أعصابي بكلماته المتقطعة، فأسندتُ كفّايَ على ركبتَيّ وأنا أفردُ ظهري، وأرفع رأسي لأثبت عينايَ المتسائلتان على وجهه...

- "شو مالك احكي... شو مال بتول؟"

انهارَ صالح على الأرض وأسند رجليه إلى صدره ولفّ حولهما ذراعيه، وبدأ يتمايل بظهره ويبكي، فأمسكته من كتفيه وهززته وأنا أرجوه أن يتحدث...

- "حابس... قت.. قتلها حابس... حابس قتل بتول يختي".

جمدتُ لثوانيَ جاحظة وغاب عقلي عن الوعي كأني تلقيتُ ضربة على رأسي، كنت أتوقّع أيّ شيء سوى ما قاله، لم أصدّق، غير أنّي شددته من كتفيه أكثر وأنا أصيح به: "شو بتحكي؟"... "شو قلت؟"... وكررت أسئلتي بعنف فعاود  مُنتحبًا يقول: حابس قتل بتول... قتلها... وأمسك قميصه وتابع مهتاجًا: "هاد دمها"... وبدأ يولول بعبارة متقطعة وصفَ فيها كيف باغتهما حابس وهما يفردان الطعام، ليضربَ بتولَ على رأسها من الخلف بعصاة "الطوريّة" لتخرّ من أوّل ضربتين على التراب، وهي تضعُ يدها على رأسها جاحظة العينين، مذهولة مرتاعة، وذراعها الأخرى ممدودة في الهواء، لكنّ "حابس" لم يُمهلها... فتابع ضربها على رأسها حتى ماتت...

صرختُ من قحف رأسي، مرّة أخرى لكن بغضب، وألم، وحريقٍ، كان فيضُ مشاعري خليطًا من كلّ شيء... وأعماني ما سمعت، فنهضت إلى "المطبخة" وتناولت منها سكينًا كبيرة اندفعت وأنا أشهرها إلى باب البيت، لحظة أطلّ منه عمّي وحابس ليتداركا صُراخي، كنت هائجة لا أصدّق ما يحدث ويسيطر الغضب على تفكيري، لما حاولتُ ضرب حابس وأنا أصرخ من قحف قلبي: "يا حقير، يا مجرم... قتلتها يا نذل... شو عملت.. ولك ليش"...

أمسك عمّي ذراعي وخلّص السكين من يدي وصفعني صفعة رجّت لها أسناني وهو يصيح بي: "اخرسي"... أمّا حابسُ فسارع إلى تطويقي بذراعيه وشدّني بلا رأفة ليُدخلني إلى المنزل، وأنا أقاتل الهواءَ وأقاوم بشدّة، لكنّه تغلّب عليّ بمساعدة عمّي فيما كان صالح في مكانه لم يحرّك ساكنًا...

أيامٌ مرّت لا أذكرُ كم مرّة ضُربتُ فيها، حاولتُ الهروبَ، فلم أستطع، وكان عقابي أن كُبّلتُ إلى سريري، لم أتناول طعامًا، ولا شربتُ ماءً حتى انهارت قُوايَ وحابسُ لا ينفكّ يتوعدني بالموت إن لم "أخرس حتى الممات".

- "بدّك تفضحينا؟ العايبة بتتمعشق، وبترخّص شرفنا؟ آه قتلتها لأطهّر هالبيت من وساختها" ردّد حابسُ عباراته تلك على مسمعي مرارًا وتكرارًا وهو يُردفُ: "احمدي الله إنّه ما لحقّتك إلها.. أنا سامعكم قبلها بيوم.. وشفتهم بعيني..."

لم أكن أردّ بحرف، كنت أكتفي بمبادلته نظراته القاسية بنظرات الازدراء والكراهية كلّ مرّة جاء فيها إلى غرفتي...

بقيتُ على هذه الحال حتى جاءَ محمود إلى المنزل بعدَ أن زاره عمّي في "نابلس" ليُحدثه بما حصل، وأنّهم قرّروا ألا يُلاحقوا "كريمَ" خشية أن يرتدّ الأمر عليهم بأكبر منه ثأرًا من عائلته...!

آه يا بتول، كنتِ أنت الضحيّة، وأنتِ الفاسقة، وأنت كلّ السوء المدفون هناك حيثُ قُتلتِ، أيامٌ كثيرة لم يتوقف فيها خيالي عن رسم الجريمة، تخيلتُها مرارًا وتكرارًا... حتى أطل محمود ووقف في باب الغرفة، لم يقل كلمة واحدة، سوى أنّ حُزن الدنيا والقهر بديا في ملامحه، فكّ يدي الموثوقة، وأنهضني ليُجلسني على السرير وهو يتناولُ صحن "العدس" عن الأرض... غرفَ منه بالملعقة وقرّبها إلى فمي... هكذا دون أي حديث... وعيناه الحزينتان ترجواني أن أتناول الطعام...

كان ذلك اليومُ آخر عهدي بقريتي، وببيت والدي، ذلك الوالدُ الذي ضبطته أمّي يحاول التحرّش بي يومًا وأنا طفلة لم ينقصها الوعيُ لتُدرك أن والدها قذفَ من روحه كلّ نبل، وانحطّ إلى موتٍ في قلبي... موتٍ بكلّ ما تعنيه الكلمة من انهدام العلاقة بيننا، واختفاء مشاعري تجاهه كأبٍ كان يمكنُ أن يكون حصنًا من كل شر.

عشتُ في بيت محمودَ عامًا كاملًا، ونظراتُ بتولَ وحابسُ يغتالها تثيرُ فيّ شتّى المشاعر، حتّى صارت بمرور الأيام تزيدني عزمًا على الحياة والثأر... وتعيدُ إلى اسميَ كل ما في معناه من شجاعة... فهربتُ بعيدًا كي أواجه مصيري وقدرًا خُطّ منذ وقت بعيد... أنا "قَدَمْ" واسمي فيه كل الحكاية... حكايةٌ بدأت، ولكن مُنذ دهر.

نقترح لك أيضًا