اهبدوهم بالمعرفة... حتى لا يهمدونا

اهبدوهم بالمعرفة... حتى لا يهمدونا

يقول العرب لكل في اسمه نصيب، فمن اسم شاهين إلى العارف إلى جميل وغيرها من الأسماء التي تحمل بداخلها ما يصبوا لها اصحابها، أو ما تمناه لهم أهلهم بتسميتهم فيها. ولا تختلف هذه النظرية في التسمية عن أسماء المؤسسات والشركات

، فشركة التفاحة Apple العملاقة قصد باسمها "تفاحة المعرفة" واسم شركة سامسونغ ويعني في الكورية النجوم الثلاث، كان يعبر عن رغبة صاحبها أن تصبح شركته يومًا مثل ثلاثة نجوم لامعة في السماء تتوسط حزام أوريون.

كذلك فعل شباب فلسطينيون عندما ابتكروا مصطلح (إهبد) للتعبير عن نشاطهم في مقارعة الرواية الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، فكان أن برزوا، وبرزت كلمة (إهبد) كنمر رقمي متربص ينتظر فرائسه واحدة تلو أخرى.

 معنى اهبد

كلمة اهبد عربية من جذر (هبد)، وتعني: طبخَه أو كسَرَه، ولو قلنا إن جذور بعض الكلمات العربية في السريانية التي تعتبر إحدى جذور العربية، تصبح الكلمة (همد) إذ نستعيد الميم التي قُلبت في العربية إلى الباء. وفي همد يقول ابن منظور في لسان العرب: (همد: السَّكْتةُ. هَمَدَتْ أَصواتُهم أَي سكَنَتْ)، وقال أيضا:( وهَمَدَتِ النارُ تَهْمُدُ هُمُوداً: طُفِئَتْ طُفُوءاً وذهبت البتة فلم يَبِنْ لها أَثَر). وفعل الأمر من هبد وهمد هي إهبد: فيصبح المعنى إسكات الأخر وهمد نارهم وطفي قوتهم، وهذا التفسير هو ما يقوم به شباب مشروع ( اهبد ) وقد لاقوا فيه نجاحات متعددة... وحسب المعنى المعجمي لهبد: فالشباب يُطعمون الآخرين ما يُسكتهم، إن المجازَ هنا لائق وصورته قوية.

الدبلوماسية الرقمية وشباب (إهبد)

العديد من الأصدقاء والأساتذة وصفوا نشاط شباب إهبد كنوع من الدبلوماسية الرقمية، أو هكذا تأملوا فيهم، وهو تأمل مشروع مربوط فقط بتبني المؤسسات الوطنية لمثل هذا النوع من النشاط التواصلي مع الشعوب الأجنبية، لكن في الوقت ذاته لا يمكن وصف نشاط شباب إهبد بالدبلوماسية العامة، لأن الموضوع عبارة عن تواصل إنساني بحت عابر للحدود عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مهما كان لهذا التواصل من تأثير على الرواية الفلسطينية، ولأن هذا النشاط لا مؤسساتي وليس مدعومًا حكوميّا وهذان شرطان علميّان لدى علماء الدبلوماسية العامة في توصيف ما يندرج تحتها من أعمال، ولكن ما يشفع لهذا التيار الإلكتروني، حصولهم على قبول رسمي لهذا النشاط التواصلي مع الشعوب الأجنبية بخصوص تقديم الرواية الفلسطينية في مواجهة الإسرائيلية دون اعتراض أو رفض حكومي، علمًا أنّ الدول تُفرد لهذا الأمر موازنات داعمة، واستراتيجيات وطنية.

ما هي أهداف الدبلوماسية الرقمية؟

تعتبر الدبلوماسية الرقمية إحدى أحدث أشكال الببلوماسية، وتعتمد بشكل كبير على مواقع المعرفة والتواصل الاجتماعي العابرة للحدود كوسيلة لبث الرسالة التي تطمح الدول بإيصالها للشعوب الأجنبية عبرها، ما يضمن أكبر مساحة ممكن من الجمهور وأقل تأثير ممكن للتشويش على الرسائل، وبأقل تكلفة ممكنة، وفيما تعتمد الدبلوماسية الرقمية في التخطيط الحكومي بشكل كبير على المجهود الفردي للمواطنين، إلا أن التراكم الكمي لمجموع التفاعلات الفردية للمشاركين تعتبر العامل الأكبر في نجاح الدبلوماسية الرقمية في إيصال الرسائل للشعوب الأجنبية.

لكن يبقى السؤال ما هي أهداف الدبلوماسية الرقمية؟ هل هي كما قرأت في كثير من التعليقات مرتبطة بكم التعليقات الوطنية على المواقع الغربية المؤيدة لإسرائيل فقط؟ هل هي كمية المعلومات المنشورة على مواقع التواصل الإجتماعي؟ أم هل تهدف إلى تغيير معلومة منشورة على موقع من منصات التواصل الاجتماعية؟ إن كل ما سبق هامشي ليس أساسيًّا أو هدفًا.

هي إجابات هامشية، لأن النقاشات على مواقع التواصل الرقمي فردانية بحد ذاتها أكثر منها فكر يعبر عن وعي جمعي للمشاركين في (إهباد) تلك المنشورات الصهيونية. ومهما اجتمع الأفراد على مبادئ معينة، إلا أن انفلات عقد القواعد العامة المتفق عليها بينهم في التعامل والتكلم والمعلومات المرغوب نشرها، واقعة لا محالة بسبب ازدياد عدد المشاركين واختفاء جسم هيكلي مؤسسي ولو بهلامية يقدرأن يحفظ ولو قدرا من التنظيم الداخلي وتحديد الجد من العث، وفي دول العالم الكثير من المؤسسات الفاعلة في هذا المضمار، وتعتبر تجاربها نماذج يُحتذى بها، وقليلة التكلفة.

هامشية أيضًا لأن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي في بنيتها مصنوعة للآنية، وليس للأمدية، فكل المنشورات على فيسبوك أو تويتر أو انستغرام وغيرها وغيرها، منشورات عمرها الافتراضي لا يتعدى ثلاثة أيام للصفحات متوسطة التفاعل إلى أقل من ١٢ ساعة للمواقع ذات النشاط المركز،و مهما كان لتلك المنشورات أن تبقى وإن حفظت، إلا أن  اللحظية والتواصل والكمية المهولة من المعروض من المنشورات حول العالم لن يعطي وقتًا كافيًا للآخرين لقراءة الردود أو حتى الاهتمام، ويدفع ذلك الكم القارئينَ إلى الانتقال إلى منشور آخر بدل التفاعل والنقاش. ما يجعل ارتفاع النقاشات علوًّا وهبوطًا في الصفحات مرهونًا بالمزاج المتبدل نتيجة كمية المنشورات المختلفة صاحبة التأثير والجذب.

وهامشية أيضًا لأن النشاط المؤسساتي على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ما عاد وظيفة ثانوية للشركات والمؤسسات، فقد أصبحت إدارة تلك الصفحات وظيفة حقيقة لها مهام واضحة، من بينها إدارة المنشور، من متابعة وتحليل وتحديد: من ومتى وكيف؟ ووضع قواعد للرد المطلوب وتحرير ما تقبله إدارة الموقع وما يحذف، ومن تسمح له بالتعليق ومن يمنع من التعليق.

ما بين البروباغندا والدبلوماسية الرقمية:

كل ما ذكرناه سابقا، قد يضعنا أمام سؤال مهم، ما الفرق بين الرواية الفلسطينية من شباب إهبد والرواية الإسرائيلية من جيشها من المرتزقة من طلاب الجامعات والأمن والشركات الخاصة ومجتمعات المعرفة الإسرائيلية؟

 هنا، نستذكر المثل القائل: “لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما”، وفي حالة شباب أهبد فالموقف شبيه، فكيف للناس التي ترى في نشاط إسرائيل الرقمي أنه بروباغندا، أن لا تصف فعل شبابنا بأنه بروباغندا أيضا؟ ولكيلا ننسى، فإن جل التفاعل التواصلي عبارة عن جدال سفسطائي قائم على تصيد زلات وأخطاء الآخرين، فالتصيد وليس المعرفة هو أساس هذا التفاعل، ولا ننسى أن كل ضد يخلق ضده، وكل ضد يلغي ضده، وفي النتيجة تكون المعركة صفرية. ١-١ = صفر. وهذه المعادلة لا تقدم للآخرين أي تراكم معرفي أو تحفيز لمعرفة الرواية الفلسطينية بقدر ما قد تصل في مرحلة إلى تنفير غير المتصهينين، أي ضيوف تلك المواقع والمنشورات. إذًا ما الحل؟

راكموا المعرفة ثم اهبدوهم

علينا سؤال أنفسنا أولا، هل النجاح يكمن في حذف الآخرين لمنشوراتهم الداعمة للاحتلال؟ خاصة وأن نتيجة حذف القيمين على تلك المنشورات يعني ببساطة اختفاء مادة النقاش أو المعلومة والتراكم المعرفي الذي حصل في زمن ( الهبدة )، أكانت ساعة أو أسبوعًا. وهذا قد لا يعني بالضرورة تغييرًا في الموقف بقدر ما هو حجب له، أو توجيه له إلى الباطن... وردّ فعلٍ لتوقيف (الهبد) كي لا يتمكن من تحقيق مراكمة ثابتة مستدامة مرجعية.

قرأت تعليقات للهابدين فرحوا فيها أن إحدى الصفحات حذفت منشورها بسبب ٢٠ (هبدة)... حسنًا إن هذا أمر لا يجب أن نفرحَ له، فحسب أهداف الدبلوماسية الرقمية، أين الفائدة المكتسبة المستدامة؟ نحن نحتاج أن يقرأنا الآخرون أكثر لا أن تستخدم الصفحات أسلوب الحذف لهدر وقتنا وجهدنا في الكتابة، فليست النتيجة الفُضلى المرجوة هي الحذف بقدر ما هي: الاعتراف والإقرار، وفي أقل تقدير التغاضي والصمت والسماح باستمرار الهبد بما يعني اعترافًا ضمنيًّا بالمضمون وحقه في الوجود والاستمرار.

وأقترح اقتراحا بسيطًا لشباب (اهبد) وغيرهم ممن يؤمنون بهذا النوع من التواصل الاجتماعي أنه مساحة أخرى يستطيعون خوض النضال الفلسطيني عبرها، بالكلمة والمعرفة:

إن أهم ما يقدمه الإنترنت في هذا العالم، المعرفة والتواصل، والمعرفة تسبق التواصل، وتحت هذا المفهوم، نجد العديد من المواقع التي تخصصت في الرواية والمعرفة والمعلومة عن القضية الفلسطينية، ولكن أغلب تلك المواقع أقرب إلى المتاحف المهجورة التي تمتلك التماثيل الفكرية والمحنطات القومية التي تجلس وحيدة على أمل قدوم أحدهم ليتصفحها، ليس لسبب سوى لسوء إدارة التسويق والترويج في تلك المواقع، واكتفائها بمخاطبة الذات بلغة واحدة هي العربية، لذلك رغم عظمة تلك المعلومات، إلا أنها مهجورة، وهذا الواقع ينسحب أيضًا على المواقع الرسمية للسلطة الوطنية والفصائل، وكذلك مواقع منظمات العمل الأهلي، فكلها مواقع كدكاكين السوق، تنتظر من يأتيها ولا تجترح الوسائل للذهاب إلى المُستهدفين وخلق حالة تفاعلية بينها وبين الآخرين.

لذلك أقترح تعزيز الوجود المعرفي الفلسطيني على الإنترنت عبر تركيز الجهود في الدخول والمشاركة في مواقع المعرفة العالمية مثل مواقع ويكيبيديا وكيورا وغيرهما، ورغم شعوري الشخصي أننا متأخرون عشر سنين في هذا الجانب، إلا أن التأخير خير من الغياب.

لكنّ أكبر عيب في النقطة السابقة أنّ أصحاب تلك المواقع (المالكين) يميلون للرواية الصهيونية، ما يجعل المشاركة فيها تتأرجح بين الصعوبة والكارثية، لذلك أميلُ إلى استحداث مواقع معرفية تواصلية مخصصة للتفاعل مع الشعوب الأجنبية وقائمة على توفير المعرفة ودمج التواصل الاجتماعي فيها، وتحويلها إلى مصدر معرفي مقبول ومنافس... وهنا لا بد لي أن أوضح الفارق بين العمل في منصات تواصلية تأسست لصالح أطراف هي ليست نحن، وبين منصات تواصلية معرفية تأسست من طرفنا لتتوجّه إلى من نستهدفهم. وبشكل عام: المنصات التواصلية ليست صفحات أو مواقع فقط، ففي إطارها الأشمل: هي مؤسسات ومحطات ذات أنشطة وجهد، وانعكاسات رقمية.

ماذا لو؟

سؤال يتعلق باستحداث مواقع تعتمد الإجابة على التساؤلات التي تطرحها أو نتوقعها من الشعوب الأجنبية، بتمحيص تلك الأسئلة وتنظيمها وتصنيفها في أقسام يسهل التنقل بينها وتقديم إجابات عليها تكون يسيرة الفهم لكنها معمقة، وهذا غرض يحتاج إلى التنسيق والتواصل مع المستوى السياسي، فلا يمكن أن يكون الخطاب الشعبي والخطاب الرسمي على طرفي نقيض، وهنا تكمن أكبر معضلة قد تواجه شباب الهبد الرقمي، ألا وهي الاتزان والتوفيق بين الرأي الشخصي، أو العاطفة، أو الافتراض الذاتي، أو الرغبة، والحقيقة والموقف الواقعي.

وهنا تجد الإشارة إلى أن الوجود الكياني الدولي الفلسطيني، والاعتراف العالمي بحقنا يقوم على ما أعطانا إياه المجتمع الدولي بما فيه من دول وأمم ومؤسسات دولية بعد جهد قدمه الفلسطينيون في الماضي أسس إلى تواصل "تقليدي" بيننا وبين العالم، فتكون الدبلوماسية الرقمية جهدًا حداثيًّا لا ينفي ما سبق، أو يتعارض معه، بل يقوم على حقيقة أننا جزء من المنظومة الدولية القائمة على القوانين والأعراف الدولية، بمعنى أن الردود والنقاشات يجب لزاما وأبدا أن تتوافق مع الشرعية الدولية وليس الأفكار الحزبية أو الشخصية، وإلا لا جدوى لكل الجهد، وللأسف، هو ما أخشى أن يقع فيه الكثير من شباب الهبد، أو أن يحدث إيقاع لهم فيه! هذا إن كنا نتحدث عن أصول، وأعراف وأهداف، وغايات الدبلوماسية العامة في انعكاساتها الرقمية.

فإن أردنا أن نكون هابدين على درجة الدبلوماسية العامة، نستلهم من صميم أهداف الدبلوماسية العامة في مساعينا لنحقق ما يلي:

  1. قلب رأي الآخرين: أي أن نستميل مناصري الصهيونية أو المتأثرين فيها نتيجة لغيابنا الرقمي، ليصبحوا إنسانيين إلى جانب الحق الوطني والإنساني الفلسطيني، ومحاكمة الاحتلال ببصيرة الإنسان المؤمن بالحقوق والعدالة الإنسانية بما يكسر احتكار الرواية الإسرائيلية لهذه النقطة، وهذه عملية سلفًا أؤكد أنها صعبة وغير سهلة وتحتاج إلى زمن والخبير لا يأمل تحقيق نتائجها الملموسة في القريب المنظور من الزمن، لكن لا يجب إطلاقًا إهمالها.
  2. تخفيف الأضرار الناجمة عن ممارسات ومواقف، وسلوكيات، وآراء سيئة أو خطابات عنصرية، أو تحريضية على الكراهية بُثّت من طرفنا الفلسطيني للعالم عبر التواصل الاجتماعي، سواء أكان مصدرها، شخصيًّا، أو حزبيًّا، قوميًّا أو دينيًّا. إن الأضرار واقعة لا محالة، ولكن تحتاج روايتنا إلى مكافحة تلك الأضرار بتقديم الصورة الأفضل، والسعي لتغليبها بمرور الوقت. وهذا من شأنه أن نقول: إنّه سلوك موجه للطرفين، المحلي والدولي... فالأضرار واقعة لا محالة، غير أنّ العمل على تطويقها أمر مطلوب.
  3. زرع الشك في المواقف المسبقة الفردية للأشخاص والجمهور المستهدف بنشاطات الهبد الرقمي، ونقصد هنا، أنّ الكثيرين أخذوا المعلومة الصهيونية على أنها معلومة مُسلّمَة، حقيقية، وأُعيد عبر عقود صياغة طريقة التفكير، والقناعات بناء عليها، لذلك يعتبر التشكيك بمصداقية تلك المعلومة المرجعية في أذهان المستهدفين، قمة الأداء التواصلي (الهابد) وأفضل ما يمكن إنجازه على المديين القريب والمتوسط، والشك بذرة تسقيها الأخبار والزمن، وهنا بيت القصيد والغاية الأهم والنجاح الأكبر، كونها هي التي توصل إلى ما قبلها من نقاط حتى نصل إلى قلب الرأي وإعادة تشكيله.

آملُ أن نتفهّمَ أن الهبد وسيلة وليسَ غاية لذاتها، وأن الدبلوماسية العامة، توظيفٌ للثقافة والمعرفة والموروث الحضاريّ، وأنّها خطابٌ مُنسجم مع سياسات الدول هكذا تفعلها واشنطن، وتل أبيب، وباريس، وموسكو، وحتى دبي، وأبو ظبي وبيروت، ودول أخرى أقل شأنًا وقوة وموروثًا من فلسطين المحتلة.

 إن خلاصة هذا الاقتراح تأسيسُ (مواقع) تهبد باللغات، وتكون منطلقات (لغزوات الهابدين)، وقواعدَ لاستقبال (المهبودين) والراغبين في الحصول على روايتنا المُحكمة. أرجو وآمل أن يستمع طرفان إلى هذه المداخلة، المستوى الرسمي، وشبابنا الفلسطيني... أي: كامل القوة الفلسطينية.