ماذا (لو) لم تشارك فرقة هاتاري في يوروفيجن؟

ماذا (لو) لم تشارك فرقة هاتاري في يوروفيجن؟
فرقة هاتاري بمظهرها الاستعراضي في فقرتها ترفع علم فلسطين في فقرة النتائج المصدر: الانترنت

يوروفيجن 2019 حدثٌ استحوذَ على اهتمام الفلسطينيين في الأيام الماضية، سيّما وحركة المقاطعة (BDS) دعت مرارًا أن يُقاطع مؤيدو القضية الفلسطينية نسخة المسابقة المُقامة في تل أبيب، احتجاجًا على احتلال يمارس القمع والإرهاب.

لم يكن حضورُ المُسابقة كبيرًا، فحسبَ القناة الثانية عشرة العبرية "نصف تذاكر مسابقة يوروفيجن الأوروبية لم تُبَع" وقدّرت الخسائر بمليوني شيكل، وأن عدد السياح أقل بكثير من المتوقع، ما يُشكل إشارة لموقف دولي نجح الفلسطينيون إلى حدّ ما في رسم ملامحه بدفع الجماهير الأوروبية لمقاطعة النسخة.

كان يُمكن أن يمرّ الحدثُ بشكل طبيعي ليتحدث الفلسطينيون عن نجاح جزئي أو رمزي يستند على تلك الأرقام والإحصائياتـ، وتراجع إسرائيل عن إقامة الحفل في مدينة القدس، غير أنّ حادثة أثارت اهتمام الجميع، أكانوا أوروبيين، أم إسرائيليين أم فلسطينيين، وخلقت جدلًا لم يتوقف حول موقف فرقة "هاتاري" اللآيسلندية، لمّا ظهر أعضاؤها يحملون أعلامًا فلسطينية من مقاعدهم في قاعة المسابقة، مشهدٌ بتره المُخرج لكنّه لم يمنع بذلك خروجه  إلى ملايين الناس التي شاهدت وراقبت عنصرية الفريق الإسرائيلي تجاه العلم الفلسطيني.

الفرقة تحدّت نتنياهو شخصيًّا

أغفل الجميعُ وتحديدًا الفلسطينيون الذين سنستعرض أبرز مواقفهم المتباينة تجاه الفرقة أن "هاتاري" المؤيدة للحقوق الفلسطينية، أعلنت في وقت سابق من (شهر فبراير) عن تحدّ لنتنياهو، جاء بشكل واضح، وأثار قلق الإسرائيليين حول نوايا الفرقة المُشاركة في "اليوروفيجين"... التحدي كان ساخرًا يدعو "نتنياهو إلى قتال وسط تل أبيب" وأن الفرقة "ستستغل حدث اليوروفيجين لانتقاد سياسة إسرائيل" (رابط لتقرير عن صفحة التلفزيون الألماني ARD يتناول الموضوع)

وتابعت الفرقة في تحديها المتهكم بأنها حال فوز نتنياهو في حلبة المصارعة ستسلمه السلطة السياسية على جزيرة "فيست مانيار" الآيسلندية، وأنها ستتكفل بنقل سكانها إلى مكان آخر!

بما يبدو واضحًا لمتتبع موقف الفرقة، أنّها خطّطت بعناية لما ستفعل في حفل إطلاق المسابقة الأوروبية الكبرى.. وأنّ موقف أفرادها ينبع من رفض شديد لسياسة الحكومة الإسرائيلية، واحتلال الدولة الفلسطينية من قبلها.. وقد أوضحت الفرقة  موقفها في لقاء تلفزيوني بعد حادثة رفع العلم الفلسطيني،  بما ورد على لسان (ماتياس تريغفي) عضو الفرقة: "المسابقة تأسست انطلاقًا من روح الوحدة والسلام، واستضافتها في بلد تخيفه هذه الوحدة، أمر سياسي".

وقال عضو آخر: "تغيرت رؤيتنا بذهابنا إلى الخليل إلى منطقة وسط البلدة القديمة،  حيث توجد ثلاث مستوطنات إسرائيلية وقاعدة عسكرية، سلكنا الشوارع كأننا في بلد مهجور".. وتابع: "إن المحال أغلقت، والتمييز العنصري كان شديد الوضوح".

 

موقف يوروفيجن وإسرائيل

نقلت رويترز عن  (إلداد كوبلنز) رئيس هيئة البث الإسرائيلي لصحيفة يديعوت أحرونوت تصريحًا جاء فيه "سيتعرض الأيسلنديون لعقوبة على الأرجح من اتحاد البث الأوروبي الذي لا يتهاون مع خرق القواعد"... ونقلت BBC موقفَ  يوروفيجين في بيان تناولت فيه الحادثة "إنّ المجلس التنفيذي سيبحث عواقب الإجراء"... ولا يمكن أن نتجاهل هنا اندفاع رجال الأمن لانتزاع الأعلام من الفرقة الآيسلندية وقت الحادثة في (فيديو) بثه أحد أعضاء الفرقة... ونشير هنا إلى أن الفرقة تعرضت لحملة إسرائيلية شديدة عبر الصفحات الإسرائيلية بعد موقفها.

كيف استقبل الفلسطينيون الحادثة؟

يمكن أن يعتقدَ المتابع للحادثة أنّ الفلسطينيين لا بدّ وأجمعوا على موقف مؤيد للفرقة، وأنّهم الطرف الأكثر ربحًا من إحراج إسرائيل أمام ملايين الأوروبيين المُتابعين عبر الفضائيات لمجريات المسابقة، لكنّ الحقيقة تقول غير ذلك، فالفلسطينيون استقبلوا الحادثة بالتأييد والرفض، والتشكيك والاقتناع، أي بانقسام في الرأي.

حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية صرّحت باللغة الإنجليزية عبر صفحتها في موقع تويتر ما يفيد برفض الحملة لما فعلته الفرقة، لأنّ "المجتمع المدني الفلسطيني، يرفض هذه اللفته من فنانين لم يشاركوا في الاعتصام السلمي" في إشارة إلى اعتصام دعت له الحملة.

أما الناشطون ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي فتباينت آراؤهم، وهنا نعرض نموذجًا حواريًّا من صفحة المصور الصحفي "فادي عاروري"... الذي تبنى موقفًا واضحًا ضدّ موقف الفرقة، بل وأشار إلى أنّ "معايير حركة المقاطعة الفلسطينية واضحة لا لبس فيها"... وحذّر من مطبّعين ربّما (ينظفون أنفسهم) برفع العلم... معتبرًا أنّ مقاطعة الحفل أقوى من رفع العلم، حسب ما نقتبس من منشوره.

أما المُتحاورون فاختلفوا فيما بينهم، فبعضهم اعتبر أنّ هذه حركة استعراضية، وأنّ الأولى كان أن يُقاطع الحفل، فيما ذهب آخرون إلى الحديث عن مدى تأثيرِ الحادثة في الرأي العام العالمي، ومدى رمزيتها... هذا الحوارُ لم يخلُ من حدّة، وتوضيحات من المشاركين كلّ حسب وجهة نظره، ولم يكن الوحيد بالطبع في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّه يشكل نموذجًا نتناوله لرأي الشارع الفلسطيني في الحادثة.

  

 

 لماذا التباين؟

ننظرُ إلى هذا التباين، الذي يُعتبر إلى حدّ ما صحيًّا إن لم تُرافقه اتهامات للفرقة، شملت حتى أيسلندا كبلد (كما في منشور الزميل العاروري)، وإسقاطات أخرى رصدها "المراسل" مثل اتهامات بالمثلية الجنسية بنى عليها البعض رفضهم لموقف الفرقة، إلى غير ذلك كله/ على أنّ السّبب فيه عكسُ ما قال العاروري بخصوص حركة المقاطعة الفلسطينية ومعاييرها، بل إن السبب الرئيسَ في كلّ هذا اللغط، تتحمله حركة المقاطعة BDS  التي سنعرض هنا اختلافنا معها حول بعض القضايا كما سيرد تباعًا.

التطبيع

 نعتبرُ أنّ التعاطي في موضوع التطبيع، مُحدّد بالجانب الفلسطيني كمحظور أساسي، وبدرجة أوضح  هو محدّد بالجانب العربي عمومًا (جهة التناقض الطبيعي ثقافيًّا، وسياسيًّا واقتصاديًّا مع الاحتلال)، ولا يمكن بأيّة حال من الأحوال الخروج بالحديث عن التطبيع لأبعد من حدود المنطقة العربية كجريمة يُتهم فيها أي طرف آخر في العالم، إنّ ما يبحث عنه الفلسطينيون في محيطهم: موقف عربي ليس داعمًا بل شريكًا في الصراع، وهذا يُحرّم عليه التطبيع، وموقف (تضامني) من دول العالم التي تعترف أو لا تعترف بإسرائيل، إنّ دولًا في أوروبا وغيرها في العالم تمتلك علاقات طبيعية مع إسرائيل، وليست (شريكة أو طرفًا مباشرًا) في الصراع، بل صاحبة موقف يُبنى إما على التوازن بين طرفي الصراع، أو الانحياز إلى أحدهما بما لا ينفي العلاقات مع الآخر... وليس من المعقول أن نتهم من نطلب التضامن منهم بالتطبيع وهم يمتلكون علاقات طبيعية مع إسرائيل فيما نعمل نحن فقط على التأثير في تلك العلاقات بما يخدم الموقف الفلسطيني، وإن كان الفلسطينيون يدعون الآخرين إلى المُقاطعة الثقافية للاحتلال فعليهم التمييز أنهم يطالبون هنا (عبر التأثير على مواقف الشعوب والدول واستمالتها)، بموقف تضامني داعم تختلف لهجته، وأدواته، وأساليبه، وصورته الأساسية عن المطلوب من العربي الشريك الطرف في الصراع... أو من الفلسطيني الموجود في أتون المواجهة، وصاحب الاستحقاق الأول.

لقاء تطبيعي، ولقاء مُواجهة

وتحت بند التطبيع ذاته، لا يُفرق الكثيرون بل لا تفرق الغالبية الفلسطينية بينَ لقاءِ (التفاهم الثقافي المبني على قبول الرواية الإسرائيلية تطبيعًا) ولقاء (المواجهة الثقافية)، ولا تعملُ حركة المقاطعة ولا السلطة الفلسطينية أو الأحزاب أو منظمة التحرير على بثّ توضيحٍ مهم لهم فيما يتعلق بضرورة هذا التمييز في إصدار الأحكام... إذ لا يُعقل أن يُتهمَ بالتطبيع أي فلسطيني أو عربي يواجه  الرواية الإسرائيلية في مؤتمر أو فعالية برواية عربية رصينة واضحة ومحددة تعرض الموقف الفلسطيني وتفنّد الموقف الإسرائيلي على قاعدة المواجهة والمُناظرة... إنّ ترك مفهوم التطبيع معلقًا بسمات عامّة مبتورة، لا تفصيل فيها في ذهن العامّة، يُفرز قناعات مشوهة تطال أعمالًا ومساهمات تصب في مصلحة الفلسطينيين، بل وتصل الأمور لدى البعض نتيجة الضبابية في توظيف (الاتهام بالتطبيع الذي يصل حدّ تصفية الحسابات الضيّقة) إلى تصوّر مفاده أنّ النزاهة الوطنيّة تعني: البقاء في معزل حتى عن مواجهة الاحتلال ثقافيًّا وعن كل ذلك... وهنا علينا أن نشير إلى ما يلي:

إنّ تفريغ الساحات الدولية، الثقافية وغيرها من فِعل المواجهة والتصادم المباشر بين الروايتين العربية والإسرائيلية، بالإحجام، والانعزال بذريعة (الخوف من تهمة التطبيع) يمنحُ الجانب الإسرائيلي حريّة أكبر في ملء الفراغ أكثرَ بروايته... والتاريخُ وتذمّر الفلسطينيين والعرب من قدرة الإسرائيليين على تعميم روايتهم حتى زمن قريب، أبلغ مثال على سوء إدارة الصراع الثقافي مع الاحتلال عربيًّا. وفي هذا السياق: يُصبح موضوع (الاتهام بالتطبيع) حسب التعبير الدارج (عالطالعة والنازلة).. سلوك قمعيّ تحكمي يفرض الوصاية... ولعلّ تعريفَ جامعة بيرزيت، أنّ أي لقاء ثقافي مع الإسرائيليين يُعتبر تطبيعًا، بهذه الصيغة العامة، يؤشر على التشدّد في فرض وصاية على المفهوم والسلوك... ونلحظُ مؤخرًا إحجام الكثير من المثقفين والكتاب والأدباء، وحتى السياسيين عن (فعل المواجهة الثقافية المباشرة في المحافل الدولية) تخوّفًا من (تشدّد وتسلّط) المفهوم المطروح في صيغته للتطبيع... وهنا نستذكر حادثة لقاء أستاذ الإعلام نشأت الأقطش بخبير الإعلام الإسرائيلي إيدي كوهين.. إذ استند الجميع على اتهام الأقطش بالتطبيع، لمجرّد مشاركته في حلقة الاتجاه المُعاكس في حينه... إنّ تلك الحلقة التي عالجناها وفق رؤيتنا في موضوع "بروباغاندا" مُعاكس كوهين والأقطش لا نعتبرها تطبيعًا وفق مفهومنا السابق، بل هي عمليّة مُواجهة مباشرة لم يتفق فيها الطرفان على قبول رواية الآخر... وكانت تحفظاتنا مُتعلقة بالمحتوى كما يُشير عنوان تقريرنا في وقته.

التضامن حُريّة وقناعة ذاتية

نؤمن في المراسل أنّ موضوع التضامن مع الشعب الفلسطيني، أمر اختياريّ يبذل فيه الطرف الفلسطيني طاقته على سبيل إقناع الآخرين، لا تجوز فيه لغة الفرض، أو لُغة التحديد، أو التأطير، سوى للفلسطينيين والعرب فقط كما أسلفنا، ومن هنا نعتبرُ ردّ حركة المقاطعة برفض (لفتة) الفرقة، مُبالغة لا نحمدها... إنّ المطلوب من الآخرين هو التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، وإن رغب (المُتضامن) أن يُعتبر عن تضامنه بطريقته، فالأولى أن يُعزّز موقفه وأن يُشكر عليه لا أن تُواجه نيته الحسنة بفظاظة قد تدفعه للارتداد في اتجاه معاكس، خصوصًا وأنّ الشأن الثقافي يعني التعاطي مع شخصيات عالمية وازنة ومؤثرة، وليس حميدًا أن تكون ضد (المقاطعة) في أي وقت... إنّ المتضامن  ليس طرفًا محكومًا مؤطرًا بالوطنية الفلسطينية... بل شريكٌ من نوع آخر... له حريّة الاختيار بين رواية أو أخرى... ومن هنا نحيلُ الموضوعَ إلى منظورنا في مدى التأثير الذي أحدثته الفرقة بعد التوضيحات حولها في بداية هذه القراءة... وحتى نعرض رأينا بهذا الخصوص... نسألُ السؤال أدناه.

ماذا (لو) لم تشارك الفرقة؟

إنّ مشاركة الفرقة والسلوك الذي اتبعته في التعبير عن تضامنها، فجّر جدلا واسعًا، وأخرجَ موقفًا إسرائيليًّا عنصريًّا تجاه العلم الفلسطيني أمام العالم، العلم الفلسطيني الذي يُرفع في مباريات كرة قدم أوروبية دون احتجاج من أحد، في اسكتلندا، وإسبانيا، وإيطاليا، ودول أمريكا اللاتينية، وفي مسابقات أوروبية أخرى، وفي مسابقات غنائية يُتابعها الجميع.... غير أنّ هذه النسخة بالتحديد أبرزت هذا السلوك العنصري، الذي لم تمارسه أية دولة في برنامج، أو مباراة تجاه العلم الفلسطيني، والمتضامنين مع الفلسطينيين... ما يُعد سابقة من الأجدى أن يُحكى فيها، وأن يُبنى عليها، لا أن يتشارك الفلسطينيون مع الإسرائيليين، دون قصد، في عملية (التنكيل) فيها... وفي هذا السياق نؤشر على أسلوب التعاطي مع الفرقة من قبل الإسرائليين فيما بعد في المطار أثناء رحلة العودة، اعتمد على العنصرية والإذلال، إذ نقلت وسائل إعلام أنّ أعضاء الفرقة عوملوا بشكل مُهين في طائرة العال الإسرائيلية، ومن الوسائل التي تحدثت في الموقع ما أشارَ إليه  موقع عرب ٤٨  ويتعلق بتصريح مضيفة طيران كتبت بشكل واضح على صفحتها أن "هذا ما سيحصل للوفد الآيسلندي".

لو لم تشارك الفرقة، لمرّ حدث اليوروفيجين في تل أبيب بانتصار سيتحدث عنه الفلسطينيون حول: تغيير المكان من القدس إلى تل أبيب، وشُحّ المشاركة، لكنّ فرقة "هاتاري" منحت الفلسطينيين مادة أكثر دسمًا... والأهم من ذلك، أن مشاركتها بهذه الطريقة فتحت الباب ليُناقش الفلسطينيون أساليب المقاطعة، ومفاهميمها، وأدواتها المؤثرة، وكيفَ يوزعون الأدوارَ بينهم، وبين العرب، وبين أبناء العالم الآخرين.... وهنا نشير ختامًا إلى أن الفرقة نجحت في التأثير والدليل... موقف الفلسطينيين قبل أي موقف آخر ... وكيف وقعوا هم أنفسهم تحت (تأثير) الحادثة.