كذبة المقالات التي لا تعبر عن رأي الوكالة

كذبة المقالات التي لا تعبر عن رأي الوكالة
نموذج تعبيري للاتصال بالجمهور المصدر: الانترنت

جملة سطحية، ساذجة، مُضحكة، لزجة، مَرِقة، صفراء، مُخالتة، محتالة... تضعها وكالات عربية، (وربّما) أجنبية، لتتنصّلَ من محتوى (مقالات الرأي) التي تنشرها لكُتّابٍ تحمل المقالات أسماءهم وصورهم أسفل كلّ عنوان... جملة لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، هي موضوع هذه المادّة (المقالات لا تعبر عن رأي الوكالة).

تُعلّمُ الصحافةُ أنّ الأخبار صياغات معلوماتيّة، لا تصرّف فيها، ولا رأي لكاتبيها أو مؤسساتهم فيها، بل تعتمد كل سطورها الحقائقَ والتوثيقَ بالتصريحات والمُرفقات، ضمانةً لما يُسمّى المهنيّة التي ترتكز على النزاهة والصدق في بث المعلومات للمواطنين كي يقرروا موقفهم منها دون دسّ، أو توجيه... تركيبة واشتراطات جميلةٌ للخبرِ الذي تقدّسُ سرّه الوكالات، لكن: هذا هراءٌ محض، فالعناوين، والترتيب المدروس للمعلومات، وتوظيف عبارات مثل: حسب زعمه، وحسب قوله، وأفعالَ: زعمَ، واستدرك، والاستنتاجَ بعبارات: لامَ، وحمّلَ، واتّهم، بالإضافة إلى عرض المتضادات وآلية تحرير الاقتباسات أو التصريحات من العامية إلى الفصحى أو نقلها بقصدٍ بالعاميّة، وتوظيفُ الفقرة الخبيثة: يُشارُ إلى... كلّها إشاراتٌ تغمزُ، وتهمزُ، وتحفر  وتخلخل في معلومات ما في الخبر، وتوجّه إلى ما يمكن أن يريده المحرر الذكيّ المُلمّ بسياسة التحرير، (والموقف) الذي تتبناه الوكالة، أو مزاجها تجاه (القضية) أو (الحادثة) أو (الموضوع) الذي يتناوله الخبر... نطرح هذا الموقفَ والتقييم الذاتي من واقع وكالاتنا المحلية المكشوفة أمام سنواتٍ من تحرير المواد الصحفية، سنوات تكفي لأن نعرف لماذا دُسّت أفعالٌ وعبارات بعينها مما هو دارجٌ في التحرير الصحفي في ثنايا السياق الإخباري، ولماذا صيغَت أخبار القضايا ذات الحساسيّة على ما نُشرت من صياغات... إن الخبرَ السياسيّ المكتوب أو المُذاعَ أو المبثوث على شاشة حرفة ذكيّة في مَتْنِه التطبيقُ الأول لقاعدة: الاتصال بالجمهور بقصد منحه (رسالة ومضمونًا) محدّدًا بتأثير (يُفترض) أنّ الوكالات والصحف تُدرك توابعه وتنتظرها... فكيفَ بالمقالة؟

المقالةُ رأيٌ واضحٌ وصريحٌ، وحشوٌ ولغوٌ في كثيرٍ مما يُنشرُ محليًّا، وهي هراءٌ أحيانًا، أو فرضيات ركيكة، وفي مرّاتٍ هي كلامٌ فارغ، وفي أحايينَ لا تكونُ سوى تشويه للذائقة، وضرب للوعي، واستهتارٍ بالعقل، لكنّ المطلوب في الأصل منها أن تكونَ طريقًا للمعرفة، أو تشكيل الرأي، أو تبيان حقيقة ما، أو تصحيح معلومة سائدة، أو التنبيه من موقف عامّ، أو صدم الجمهورِ بمنطق ومنظور مختلف، والثابت بين كلّ ذلك أنها: تحملُ الجديد، وتسعى للمُختلف... ولكل مقالة رقيبٌ يجلس على مقعد التحرير، قد يكون صحفيًّا وربما رئيس التحرير، هو أوّل مقصّ يحجب الرأي أو يعرضه للجمهور، ولا وكالةَ أبدًا تنشرُ ما لا توافقُ عليه، وما لا يتّفقُ مع سياستها، وفي غالب حالتنا الفلسطينية، تأكدوا أنها تتوافق مع مزاج رئيس التحرير وخلفيته الفكرية، والسياسية والثقافية بفريق عمله أو أغلب أفراد ذلك الفريق...

كيف يمكن أن تزعم الوكالات أنّ المقالات التي تنشرها لا علاقة لها بسياسات التحرير لديها؟ وأنّها تنشرُ أيّ شيء تحت قاعدة أنّ المقالةَ لا تعبّر عن رأي الوكالة؟ إن كان كذلك، فلنجرّب سويًّا أن نُرسل لوكالات تضع تلك العبارة أسفل المقالات ملفًّا صغيرًا يحوي نصّا موضوعيًّا ينتقدُ الوكالة نفسها، هل سيأخذُ حقّه من حياد الوكالة المزعوم تجاه المقالات فيُنشر؟ هل يمكنُ أن نُرسل لتلك الوكالات ما يتناقضُ مع موقفها السياسي العام، وموقفها المُجتمعي العام، ليُنشرَ بسلاسة ويُسر؟ أتنشر الوكالات حقًّا أيّ مقالة وكلّ مقالة تصلها (فهي في النهاية مقالات لا تعبر عنها)؟ بالطبع لا... وطالما تُرافق انتقائية النشر شرطَ الموافقة، تُصبحُ تلك العبارة نكتة سمجة، وكذبة فجّة، فكلّ ما يُنشرُ في الوكالات من مقالات رأي هو ما توافق عليه، وتريده، وترتضيه... 

ومن زاوية أخرى، المقالة تحملُ اسم صاحبها، وصورته غالبًا، فلمَ تقلقُ الوكالاتُ من المُحتوى كي تستنكره وهي تنشره؟ وماذا لو نشرت الوكالة نصًّا يدعو لكنس الاحتلال الإسرائيلي، أو يدعو صاحبه إلى القضاء على الفساد؟ إنّ  عبارة (المقالة لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة) أو عبارة (المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها) أسفل مقالات من هذا النوع يثير الضحك والسخرية.

ولكن، هي أساليبُ تتبعها الوكالاتُ لتمرير ما تريد، وكما أسلفنا، إن القاعدة الأساسية الأولى في العمل الإعلامي: أن تتّصلَ الوكالة بالجمهور برسالة محدّدة وواضحة تنتظر وتريدُ توابعها... لذلك ببساطة: إنّ كل ما يُنشرُ في موقعنا من مقالات، ورسائل مُضمّنة... لا بدّ أن يعبّر عن موقف "المراسل".

نقترح هذه المقالة في سياق الموضوع: المقالات تعبر عن راي اصحابها