هل أصاب اللحام في المُطالبة بـ "أبونا"؟

هل أصاب اللحام في المُطالبة بـ "أبونا"؟

نظام الحكم في فلسطين، كيفيّته، وقراراته، وشكله، وطبيعته حديث الشارع الفلسطيني في وقتٍ يُسيطر فيه الانقسام الشامل على سلوك الفلسطينيين، بالتأثير على مُجريات حياتهم، بما نجمَ عنه من شذوذ عامّ، يأتي تحته كلّ ما يمكن أن يحرّك التساؤلات أو الانتقادات،

أو الملاحظات على أية إجراءات بين الضفة وقطاع غزة، فالوضعية القانونية والمجتمعية مُختلّة بفعلة الانقسام، ويسري هذا الخلل كصدعٍ مؤثر لا على الأفراد أو الفصائل فحسب، بل على القانون ذاته، والعقد الاجتماعي، ناهيك عن الاقتصاد وظروف الحياة، وعلاقات الناس بعضها ببعض.

وفي هذا السياق يتناولُ برنامج الحصاد الأحداث الراهنة في فلسطين في حلقة عنونتها وكالة معًا في قناتها على يوتيوب بتاريخ 23 فبراير 2019 "اللحام : ما يجري في القدس درس كبير لرام الله وغزة" وفي الحلقة يتصدّى الإعلامي المعروف، ورئيس تحرير الوكالة "ناصر اللحام" لما وُصف بالعقوبات على قطاع غزة، وموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس في هذه القضية، ليخرج برأي اجتزأه النشطاء من الحلقة في الفيديو المرفق أدناه، فيتداوله الكثيرون بعنوان مثير للاهتمام: اللحام يخرج عن صمته!

وفي هذه المادّة نتناول الرأي الذي طالب اللحامُ أن يسجّله عليه مقدم البرنامج، عبد العزيز نوفل، وفي مجمله يُطالبُ اللحام أن يكون الرئيس، أيّ رئيس فلسطيني، أبًا للجميع، لا أخًا يدخل في المناكفة أو العقاب للأبناء... ونبدأ هنا من تفاعل الآخرين مع المقطع، من تسميته التي ذكرنا: الخروج عن الصمت.

هل خرج اللحام عن صمته؟

يشتهر اللحام بأسلوبه البسيط في طرح الأفكار، فهو عادة لا يستخدم الاصطلاحات سوى في مقالاته، ويتحدث بالعاميّة الفلسطينة مستخدمًا أسلوب الحوار الشائع في فلسطين، نقصد هنا طريقة التعبير. ما جعل منه شخصية إعلامية مُتابعة من شريحة كبيرة من الجمهور الفلسطيني، مع تباين في الآراء تجاه مواقفه. وعن الخروج عن الصمت، لا يمكن اعتبار اللحام خارجًا عن الصمت، لأنه لم يتوقف يومًا عن تقديم مواقفه الجريئة للجمهور في مختلف القضايا، وإن كان العنوان يلمزُ تجاه مستوى النقد في حديث اللحام للرئيس الفلسطيني "عباس" ففيه غُبنٌ للحام، من نقطة مُركّزة: أن الرجل لا يقف في دائرة الصمت. ولكن، هل قدّم اللحام رؤية نقديّة موضوعيّة في تعبيره الذي استخدمه؟ إنّ الأهم من جرأة الطرح، محتوى الطرح ومدلولاته، وهذا ما سنحلله.

من يحكم فلسطين "أبونا"

 يطالب اللحام أن يتحلى حاكم فلسطين بالأبوة، وهنا ينظر الفلسطينيون إلى مفهوم الأبوّة في القيادة، أن يتحلى الرئيسُ/القائد، بمسلكية مُتسامحة تنظر بعين المساواة للجميع، وأن يرتقي بمكانة منصبه عن الصراعات، أو الخلافات، أو النزاعات مع أي طرف فلسطيني، أو جهة، أو جغرافيا... واستخدم اللحام تعبيرَ "مش أخونا" في إشارة إلى أنّ الأخَ لا يحلّ في مقام الوالد تمامًا في الأسرة الفلسطينية لأنه لن يمتلك تلك العاطفة المُنصفة تجاه أفراد الأسرة كمن أسسها وهو "الوالد".

تنبع عبارات اللحام من موروث فلسطيني مرتبط بفهم المجتمع لأدوار أفراد الأسرة الواحدة، ومن هنا جاءت المُطالبة "الرمزية" في حديث اللحام بأن يمتلك أي رئيس فلسطيني سلوك ومسؤوليات "الأب"... ولكن إلام يؤشّر هذا المطلب؟

 منصب الرئيس ودور الأب

إنّ المُقاربة بين دور الرئيس كجهة تنفيذية، ومنصب له صلاحياته، وقوانين تضبطه، ودستور يحدده، ودور الأب، لن يتعدى سوى محاولة تفسير تنبع من التأثّر الجهويّ والعشائريّ لماهيّة الحكم والإدارة والدولة، وهذا ما ننتقده في طرح اللحام. فعبارته تحمل ما لم ينتبه له من ربط بين منصبٍ يُطالب النظام الفلسطيني من يشغره أن ينفذ الممارسة الديمقراطية في تنفيذ وتفعيل القانون، والأحكام، والدستور، ومنصب "الأب" المستنسخ من النظام الأسري المبني على "ديكتاتورية" وسلطة  مُطلقة "للأب" على أسرته الذي يعاقبُ ويحْرمُ أيضًا بناء على قانونه الخاص! وهذا ما لا يستقيمُ مع الموقف المُجتمعي  من "الديمقراطية" المطلوبة في النظام الحاكم، وآليات تداول السلطة، والعمل السياسي والحزبي.

الفارق جليّ بينَ تحديد دور الرئيس، والحديث عن أخلاقياته، أو سلوكياته، أو إنسانيته، فالدورُ يحدّده القانون، والإجراءات تتحدّد بالمصالح الوطنية، ويخضع الرئيس في الوضع الطبيعي الصحي السليم إلى المُساءلة عن كل ذلك.. ولكن من أينَ يأتي منصب الرئيس بصلاحياته، والتزاماته الوطنية؟ من يحكم فلسطين وفق  تعريفِ الدولة عند الفلسطينيين؟

الحكم في فلسطين

يعتمد النظام الفلسطيني قاعدة واضحة جليّة أنّ: الشعب مصدر السلطات. بما يجعل أساس كلّ شيء هو العقد الاجتماعي أولا، والأحكام والتشريعات البرلمانية تاليًا، وقواعد الفصل بين السلطات ثالثًا، ويلتزم بذلك كلّه من على رأس النظام الفلسطيني كجهة تنفيذية، نقصد الحكومة والرئيس.

إنّ من يجب أن يحكم فلسطين هو قانونها، الذي يُطالب الجميعُ أن يواكب العصر والحاجة، إلى جانب ما يحدّده الشعب في برلمانه، وعقد اجتماعي لا يجب أن يخترقه أحدٌ، ووعي تجاه الأدوار، والقانون، والكيانية الفلسطينية، ومواطنة سليمة تنتمي للوطن وأحكامه ويمارسها الجميع دون استثناء أو تمييزٍ سوى ما يضعه القانون نفسه للفئات والأفراد كذوي الإعاقة والمبدعين، والشرائح التي تندرج في بنود الشؤون الاجتماعية.

أما المُطالبة بالرئيس الأب، فلا نجدها سوى مُطالبة بحكم "الديكتاتور العادل" وهي صفة الأب في أسرتهـ إن كنّا نناقش الدور الوظيفيّ لا العقلية والأخلاق الإنسانية كما أسلفنا، وهذا ينسف تمامًا فكرة الديمقراطية، ونعترض عليه في حديث اللحام.

فلسطين تحتاج إلى احترام القانون، واحترام الممارسة الديمقراطية، والموقف الوطني العام، أما الرئيس والحكومة وأركان السلطات التشريعية، والقضائية وما يتفرع عنها، فليسو سوى موظفينَ مؤتمنين على تسيير البلاد بالتزام وانتماء، ولا يحتاج أي شعبٍ منهم أكثر من ذلك... من يحكم فلسطين: قانونها وعقدها الوطني، وديمقراطيّة مُلزمة... 

من ذلك يمكن اعتبار موقف اللحام دعوةً لممارسة فضيلة الوحدة الوطنية، وأن يكون الرئيسُ طرفًا جامعًا، لكنّها دعوة تحمل في طياتها تكريسًا لفهم لا يتماشى مع الديمقراطية، وتُخفق في التوعية بنظام الدولة والتأشير على شكل الحكم المطلوب في فلسطين، فالفلسطينيين ليسوا عشيرة، بل شعبٌ يسعى للنهوض بدولة. إنّ بثّ الوعي هو الدور الأساسي الذي تمارسه الصحافة ويضطلع به الإعلام في مسؤوليّته المجتمعية، بأن تُعرض الأفكار من الصحفيين دونما ارتجال أو عاطفة، وأن تُصاغ بعناية تليق.