هل الفلسطينيون فاشلون كما حكمَ عصمت منصور؟

هل الفلسطينيون فاشلون كما حكمَ عصمت منصور؟
المصدر: الانترنت

عبارات تشاؤمية اتهاميّة مُرسلة بلا ضوابط موضوعية أو فكرية، هكذا يدأب الكثيرون أن يفعلوا في فضاء الانترنت، في مُراكمة لا مقصودة لكنها سيئة على المزاج العام،

ربّما يستوعبُ أي مراقب صدورها من مواطن قاس الأمور بما لديه من معلومات، سواء أكانت صحيحة، أم كانت من مصادرَ "بروباغاندا".. لكن لا يمكن أن يكونَ مقبولًا أن يقع في فخّ البروباغاندا والدعاية مُعاكسة التأثير، كاتبٌ في الرأي، أو قائدٌ من قياداته، أو محلل سياسي في أي شأن، أو قائد سياسي، أو مثقف عامّ تعلّق عليه الآمال، وفي هذه المرّة نتناولُ منشورًا للروائي العامل في الشأن الإسرائيلي، والقياديّ في الجبهة الديمقراطيّة الفلسطينية، الأسير السابق عصمت منصور، لنضعه تحت مجهر "المراسل".

ندبَ منصور في منشوره الحالة الفلسطينية مُقارنة بالحالة الإسرائيلية، فبينما مرّت ٧١ سنة على تأسيس إسرائيل تحولت فيها إلى "شيء وحشيّ مخيف"، كان الفلسطينيون ينتصرون على بعضهم "فقط"... ولم يحرّروا شبرًا واحدًا من فلسطين، واختتم بانتقاد للفصائل على ما أسماه قائمة المزايدات... 



وفي منشور سابق  في اليوم نفسه ٩ مايو ٢٠١٩ تذمّر من التأنيب على منشورات تمس القيادات، وعاود الحديث عن هزيمة الفلسطينيين، وأنّ الفلسطينيين فشلوا مقارنة بإسرائيل...! ونقتبس هنا جزءًا من المنشور جاء فيه: "دولة هجينة وعنصرية ومجرمة زي اسرائيل كان لازم ما تعيش اكثر من عشر سنوات ..يعني لحد ما الناس تستوعب شو صار وترجع تجمع حالها وتواجهها بهدف ازالتها واستعادة ما سرقته.
يعني في 61 سنة فشل وعلى حسابنا". وهنا لا بدّ من الإشارة إلى قوله أنّ الناس تحتاج عشر سنوات لاستيعاب الأمور، دون سند مجتمعي أو علمي أو بحثي تاريخي، ليقول "في ٦١ سنة فشل على حسابنا" حساب من؟ بالتأكيد هذا التناقض يأتي لأنّه يحمل المسؤولية لقيادة العمل النضالي الفلسطيني سياسيًّا  وعسكريًّا، وأنّ المقصودة هي القيادة الفلسطينية.

الفرق بين التحرير والسعي من أجله

ونحن نقدم هذا الموقف النقدي، نستغرب قبل كل شيء، كيف يمكنُ لكادرٍ بحجم منصور، أن يتجاهل في مداخلاته السابقة ما يرتبط بالثورات، والاستعمار، في الثقافة العامة للثوار من أي مكان كانوا، ليبدأ بإطلاق حكم عامّ مُرسلٍ دون سند، يخلصُ فيه إلى أنّ الفلسطينين، فشلوا، بل ويزيد على ذلكَ أنهم انتصروا على أنفسهم فقط.

إنّ الطرفَ الواقعَ للاحتلال دومًا وبشكل بديهي هو الطرف الأقل قوّة، والأقل امتلاكًا لأدوات القوّة وتحديدًا العسكرية، وإلا لما وقع تحت الاحتلال أصلا إن كانت قوّته أكبرُ أو أكثر تنظيمًا من قوّة الاستعمار... وفي الحالة الفلسطينية، يُعتبر تجاهلُ هذه المُعادلة البسيطة، أساسًا لاختلال الموقف والرأي.

وبالعودة إلى عنواننا الفرعي، يُعتبرُ الفرقُ بين الهدف الرئيسي وما يأتي قبل تحقيقه، فرقًا جوهريًّا، فلا يمكن أن تُحاسَبَ الشعوبُ المحتلة على دوام الاحتلال إلا في حالة الاستسلام، أو التسليم والقبول وهذا ما لم تعلنه أية جهة فلسطينية كانت.. والاعتقاد أن البدء في مشروع أو خطوة، أو مناورة أو معركة في سياق الهدف العام للتحرير يعني أنّ هدف تلك الخطوة والمناورة هو تحقيق الهدف العام، فهذه مغالطة في فهمِ الوقائع، فأن يخوض المرءُ خطوةً تأتي في سياق عام عليه أن يُراجعها فيما بعدُ حسب ظروفها والهدفِ منها لا أن تُربط المُساءلة عن نتائجها بعدم تحقيقها للهدف العامّ الذي تندرج تحته كل الخطوات، والمعارك...

إنّ السعيَ للتحرير ليس تحريرًا بل مجموعة هائلة من الأنشطة، والخطوات، والمعارك، والعمل، أما التحرير فهو نتيجة نهائية لكل المراكمة السابقة، وفي أبسط تعريفات الثورة "أنها مُراكمة الهزائم وصولًا للتحرير أو الانتصار"... وفي توصيف بسيط آخر: أن تثور على عدوّك أي أن تسعى لإفشال مخططاته... ولا يمكن أن نصفَ الفلسطينيين بالفشل في هدفهم العام، ونحن نعلم أن هذا الهدف هو مكافحة الاحتلال لتحقيق التحرير... إن العملية جارية، والحديث عن الفشل يكون على مهمة ما، أو معركة ما، أو سجال ما في ميدان ما، أما القول: إننا فشلنا في تحقيق التحرير فهذا قول مُجحف، فببساطة: لا العدو أكمل مشروعه ولا نحن توقفنا عن مشروعنا... إن الوقوف في منتصف عملية جارية للحكم عليها بالفشل/ هو استجلاب له... وانهزامٌ واضح... فيه الفشل. فمثلما لم ينجح الفلسطينيون في تحرير أرضهم، لم يتمكن الاحتلال حتى الآن من إلغاء ملكية الفلسطينيين لها، أو شطب وجودهم عليها... فهل الفلسطينيون فاشلون لأنهم صرفوا ٧١ سنة في صراع أنفسهم حقّا؟ وهل حقًّا يمكن تحميل مسؤولية قوة الاحتلال وتطورها للفلسطينيين في معزل عن كل ما هو محيط، وكل أحلاف إسرائيل، وكل الواقع الدولي؟ بالطبع موقف مشابه لا يمكن إدراجه إلا في خانة عنوانها جلد الذات والمُغالاة.

هل انشغلنا فعلا بالانتصار على أنفسنا؟

٧١ عامًا ونحن ننتصر على أنفسنا، جملة استسهل الكاتب زجّها في حديث، تنفي قيامَ ثورة، وحروبًا كثيرة مع الاحتلال، وتجعلنا نتساءل؟ هل وُلدنا لشعب تطحنه الحروب الأهلية؟ أم تقتله الميليشيا التي تضرب الرصاص على بعضها منذ سبعين عامًا؟ إنّ الواقع، والتاريخ لم يُسجل حتى عام ٢٠٠٧ أية انقسامات شعبية جماهيرية فلسطينية سوى في حادثة الانقسام، التي لو نظرنا إليها لوجدنا أنّها جعلت الشعب قسمين تواجههما إسرائيل وترصد لأجلهما الخطط والمؤامرات، بعد أن كان الفلسطينيون قوّة واحدة، وجبهة أكثر تماسكًا... لكنّ حادثة الانقسام بحد ذاتها لم تتحول إلى حرب أهلية ضروس تأكلُ المنجزات الفلسطينية، بل أبقت حالها على وضعية شاذة مُتناقضة تُضعف الموقف الفلسطيني لكنّها لم تشطبه وتشطب نضالاته.

فكيف يمكن القول إن الفلسطينيين صرفوا سبعين سنة كاملة، هكذا ببساطة كأنها رقم تافه، فقط في الانتصار على بعضهم البعض؟ ولو كان هذا الأمر حقيقيًّا، نؤكد للسيد عصمت ومن يتبنون مثل هذه الفكرة الشوهاء، أنهم ما كانوا ليكتبوا منشوراتهم من أرض فلسطين... ربما كانوا سيكتبونها من ملاجئ سيبيرية أو إفريقية أو من أية صحراء عربية نُبذوا فيها... فمثل هذه الوضعية إن استمرت لسبعين عامًا فهذا يعني بالضرورة أن إسرائيل ليست دولة متفوقة بل تافهة، ساذجة لأنها لم تتمكن من الفلسطينيين وكامل أرضهم وتاريخهم في أول ثلاثين سنة من عمر احتلال قوي، وشعب مُتقاتل حسب وجهة نظر منصور.

أدوات المعركة

المثير للدهشة أن منصور عاود القول أنّ الشعارات، والأدوات، (والأشخاص) كانت أهم من الفكرة... وهنا نتوقف قليلا وشيئًا ما، إن الشعار الفلسطيني المرفوع هو هدف تحرير الأرض الفلسطينية، وجاء تحته سيلٌ من شعارات "بروباغاندا" تحتاجها أية قوة لحشد التأييد لها، فكيفَ يمكن إنكار ذلك على شخص، أو جهة، أو شعب! هذا ما لا يمكن أن يكونَ منطقيًّا، وبينما يمكن الاستيعاب أن النقدَ لشخص قيادي، أو جهة ما، وجه من الوجوه الصحية للمحافظة على الأهداف والاستراتيجيات العامة، لكن  لا يمكن اعتباره منطقيًّا إن كان يعني: تحميلُ الآخرين مسؤولية استمرار الاحتلال.. حتى هذا التحميل يكون صحيحًا موضوعيًّا إن كان اتهامًا على فعل واضح وصريح بالتخلي عن الهدف المركزي الفلسطيني: مكافحة الاحتلال... فهل هذا يفعله الفلسطينيون، أشخاصًا أو أحزابًا أو جهات؟

إن الإجابة على السؤال بين الفلسطينيين تحتمل الإيجاب أو النفي، كلّ حسب مآربه، أو نزاعاته، أو طموحاته، فيما نستعيره من الكاتب منصور: قائمة المزايدات فقط لا غير... أما للمراقب الموضوعي فالإجابة بعيده عن الأحكام القاطعة.. الفلسطينيون مثلهم مثل أي شعب مُحتل، يكافحون بين مد وجزر، صواب وخطأ، هزيمة وانتصارات هنا أو هناك، لكنّ الأخطر عليهم من أي مواجهة، ما يفعلونه من فوضى الأحكام، وفوضى التأويل والتفسير والمُساءلات، وفوضى اتخاذ القرار، وفوضى المساس بالشرف الوطني الجمعي والفردي... إن هذا ما يجب أن يحذرَ منه الفلسطينيون: أن يكونوا جسرًا ينقل الهمّ والخيبة، وما يريده من لا يريد لهم خيرًا.

أما الأدوات، فإن فهمنا لها يعني: الوسائل، والخطط، والطرق في ُمكافحة الاحتلال، والفلسطينيون استخدموا كل شيء، لا لأنهم هُواةُ استجلاب للمصائب، بل لأنّ الاحتلال يحاربهم في كل ميدان ومجال، ففي العسكرية استخدموا الحروبَ على أنواعها بما يُسمى الكفاح المسلح، وفي ميدان السياسة يُقارعون الاحتلال، وفي الثقافة وغير ذلك كله، فماذا تبقى من أدوات أو ميادين للصراع يمكن أن يقترحها منصور لتحرر فلسطين في بضعه أيام كي يُنعم بلذة التحرير في عهده كما يرغب كل فلسطيني؟ إنّ الفلسطينيين يكافحون في كل مكان جعل من الشعوب تقف إلى جوارهم بأشكال تصاعدية، والحديث عن درجة الرضى أو الإجادة فيما يفعلون، أو ما هو ممكن ولا يمارسونه هو حديث آخر لا يُقترح في ُحكم بالفشل على مسارات القضية الفلسطينية، بل في تسوية خطة وطنية لتطوير العمل النضالي، لكن يجب أن نقول هنا إن  الفلسطينيين يُهملون بنيتهم التحتية ويستنفذونها وهذا خطر آخر يتعين الانتباه إليه، غير أن الزعمَ أنّ الفلسطينيين كانوا يولون أهمّية للهدف والأدوات أكثر من تحرير فلسطين فهذا تناقض هائل يرد على نفسه بنفسه، فمن الواجب أن يكون الفلسطينيون أوفياء لشعارهم وأدواتهم الكفاحية، إن كانت الأدواتُ المقصودة هي أدوات العمل في ميادين النضال... سوى أنّ حالة  تفسيرية واحدة، يمكن الإشارة إليها لتفتح حديثًا آخر: هي اعتبارُ منصور أنّ الأدوات هم الأشخاص..! 

وبالحديث عن الأشخاص، إنّ الشخص الأداة ليس الشخص القائد، هنا تنسحب الكلمة على المقاتلين: العسكريين، والسياسيين، الخ من مختلف أصحاب المهمات، وفي هذا تجنّ هائل على أجيال من الشعب الفلسطيني بذلت الجهد، والعرق والدم... ولكن: أيكون منصور قد قصدَ الأدوات، أي القيادات والفصائل باعتبارها أدوات في يد الفلسطينيين لتحقيق الأهداف؟

إن كان كذلك فهذا، منظورٌ قاصرٌ، فالحديث عن تحرير فلسطين يعني مُحاسبة شاملة، محاسبة تطال الأجسام بدءًا من القيادات وصولًا لكل جهة تحمل عبء مهمة ما، ولا يعني الحديث عن قائد هنا أو قائد هناك أو فصيل دون آخر، وإن كنا سنجاري منصور ونقول إن الفلسطينين فشلوا بناء على طريقته هو، وأن الأدوات حسبَ مفهومه سيئة، فعذرًا: إن هذا القول يشمله ويشمل فصيله، ومن هنا يأتي منشوره إياه في قائمة المزايدات التي أشار هو إليها  لا أكثر... إذ لا يمكن أن يكون مقبولًا أن يفتح النار بمثل هذه الطريقة على الجميع وهو يمثل فصيًلا مُشتركًا في الوضعية التي يتحدث عنها، فصيلا لم نسمعه استقال منه احتجاجًا على الفشل... هنا نعود إلى المآرب التي أشرنا إليه في الحديث عن النفي والإيجاب على سؤال التخلي عن مكافحة الاحتلال أعلاه، لنقول:

وحسب تركيبة الصرا ع والتنافس السياسي الحزبي الفلسطيني، ندرك أنّ منصور يشير إلى فصائل بعينها، بأسلوب تحريضي لا أكثرَ، فيه أحكام مطلقة، وخلطٌ دأبت الحركات الفلسطينية جميعها أن تمارسه في سجالات أودت وما تزال إلى تشويه الوعي العام، بلا مسؤولية من الأفراد الممارسين لمثل هذا النوع من المناكفات القبيحة، مسؤولية نعتقد أنّ جيلا سوف يأتي ليحملها بعد أن يبطشَ بكل هذه الفوضى المفاهيمية، التي تودي بالقيم إلى حتفها.. لا محالة.. إن هذه الجملة نستهدف منها كل الفصائل لا شخص الكاتب منصور ولا منشوره.. بل انتقلنا إليها كمشهد عام نشير إليه ففيه يهدر فيه الفلسطينيون طاقاتهم، ويُنتجون فيه عواملَ وشذوذًا سيستفحل لينال من قيمِ الوحدة، والتماسك، والتطوّع... مشهد يشتبكون في إطاره منذ برهة من عمر الزمن، لكنّهم حتى الآن يُجيدونَ تكييفه في أساسات كفاحهم مع الاحتلال، دون حاجة له، أو فائدة تُذكر، وفيما يبدو طريفًا أن بعض المتذاكين يعتبرون مثل هذا السلوك، نقدًا... و من باب علميّ نقول: لا يمكن أن تكون البروباغاندا الموجهة إلى الجمهور الداخلي نقدًا... بل كذبًا يهدمُ ببطء... وإن كنا سنعتبر هذه الحالة هي صراعنا الداخلي، فهذا يحيلنا إلى سؤال نجاح إسرائيل على الفلسطينيين.

نجاح إسرائيل على فلسطين

لو سألت إسرائيليًّا واحدًا، هل نجحت إسرائيل؟ سيقول لا... والمدهش أن بعضهم سيقول: الفلسطينيون ينجحون علينا، إن السبب في ذلك يعود إلى أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز مسألة الحديث عن أو مع الفلسطينيين إلى الرغبة المدعّمة والمتسلحة بالإجراءات الصبورة طويلة الأمد لنفي الفلسطينيين من أرضهم تمامًا لتصبح كلها ملكية إسرائيلية لا في الخريطة الحديثة لفلسطين قبل الاحتلال، بل وصولًا لتأسيس إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل...

إنّ أهمّ هدفٍ من أهداف الاحتلال الإسرائيلي هو إنهاء الوجود الحضاري والثقافي والبشري للفلسطينيين، وهو ما يجعلُ مسألة الإصرار الفلسطيني على حقوقه، عامل إفشال نُدرجه بكل سذاجة وبساطة في ردنا على الروائي عصمت منصور، ونزيد عليه، إنّ مكافحة الاحتلال، مهما اختلفت وتيرة المكافحة أو ميادينها، هي عملية طويلة في النضال،وليس اشتراطًا أن يكون تتويجها بالانتصار بعد مراكمات الهزائم في عصره أو عصر أي فلسطيني، فعملية تحرير الأرض ليست عملية إجرائية محددة بجدول زمني كالمشاريع التجارية، لذلكَ لا يُعتبرُ وجودك، أيها القارئ، في زمن الاحتلال، دليلًا على فشلك، بل هو سوء حظك أن ولدت في هذه الحقبة لا في سابقتها أو فيما هو آت من مستقبل، تبني لأجله الشعوب...

ثلاث إشارات أرسلناها في معرض موقفنا النقدي على منشور منصور، الأولى عن التخلي عن مهمة مكافحة أهداف الاحتلال، وإعلان الاستسلام، وهذه نقطة ليست واردة إطلاقًا عند الفلسطينيين، والثانية إهمال البنى التحتية، والثالثة الغرق أكثر في مشهد المزايدة والمناكفة وتوظيف البروباغاندا الكاذبة في تأليب الجمهور على بعضه على أرضية التنافس السياسي الرخيص، هذه الإشارات الثلاث في حقيقتها مفاصل يحتاج الاحتلال أن يقع فيها الفلسطينيون أكثر، كي يستطيع فيها بعد تسريع عملية إنجاز أهدافه، كي يُعلنَ فيما بعد لنفسه أنه نجح تمامًا في المرحلة الأولى من حلم إسرائيل، وهي القضاء على الفلسطينيين ليتحرك فيما بعد تجاه المرحلة الثانية بشكل أكبر وأكثر وقاحة،  وهي ابتلاعُ الأرض المصرية وصولًا للنيل، وأرض الشام وصولا إلى الفرات... وفيما يتعلق بالمرحلة الفلسطينية، لا نعتبر أن إسرائيل نجحت حتى الآن، فالشعب الفلسطيني لم يُتابع رحلة التهجير، ولم يُخدع فيها سوى مرّة واحدة... أما الفعل السياسي فمنذ النكبة ثم النكسة حتى الآن يشهد تطورات كبيرة، احتاجت عبر العقود السابقة إلى سيناريوهات كثيرة، ومؤامرات لن تكون صفقة القرن آخرها بكل تأكيد... والثابت حتى الآن أن الفلسطينيين حجر عثرة حتى الآن في كل المشروع الإسرائيلي، حتى يأتي وقتٌ تتغير فيه موازين القوى (فيتمكن) الفلسطينيون من تطبيقِ مواجهات ميدانية  أكبرَ  وأكثر تعقيدًا في وجه الاحتلال... والأهم أنها ستكون بمردود سياسي وجغرافيّ صريح يجعل من الثمن البشري المدفوع فيها تضحيةً مقبولة لدى الفلسطينيين، لا أن تكون مجرد مواجهات يائسة أو استعراضية، أو انجراريّة لطرفين: العاطفيون بين الفلسطينيين، وأدمغة الاحتلال نفسه... إن الفلسطينيين معرضون لكل ذلك، وعليهم دومًا الانتباه إلى ذكاء خصمهم.

وفي نهاية هذا الموقف، نؤكد على أهمية الموضوعية في تشخيص الأداء الفلسطيني، بهدف التطوير والنقد والمراجعة، وألا تكون هذه العناوين مجرّد مداخل للمناكفة والتجني، أو بث الأفكار المبنية على اختلال، ومفاهيم مشوهة عمدًا أو دونه... فالرأي للجمهور أمانة تستوجب احترام القارئين... فمصائرُ مواقفهم ستكون على أنفسهم ومجتمعهم والتاريخ... وكفى أن تُقادَ الآراء والوعي إلى كل اعوجاج.