بعد موسكو... نظرة في خطاب الانقسام الفلسطيني المستمر

بعد موسكو... نظرة في خطاب الانقسام الفلسطيني المستمر
  • سياسة
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 451 مرات

انقسام سياسي، وحوارات مصالحة وطنية تنتهي بالفشل، مؤتمرات وجلسات ولقاءات كلّها في نظر الشارع الفلسطيني تعيد ما قيل، ولا تفضي إلى تغيير، موقفٌ يتعزز في الشارع الفلسطيني، والباحث عن ملامح هذا الموقف يكفيه مراجعة أرشفات الفضائيات والوكالات الإخبارية، (نموذج).

وفي حلقة جديدة من حلقات الحوار الفلسطيني لإنهاء الانقسام السياسي، جاء مؤتمر موسكو في خطوة لم تُنتج شيئًا هي الأخرى، ولعلّ تكرار المواقف الفصائلية يجعل من موسكو نموذدجًا لتحليل ومراجعة بعض الظروف والمفاهيم في خطاب الفصائل، ومدلولاتها، ومُغالطات ربما تشوف تلك المواقف... وفي هذه الورقة سنتخذ من موقف الجبهة الديمقراطية في موسكو مثالا لتبيان وتحليل الخطاب الفلسطيني العام في معالجة قضية الانقسام.

 بين الانقسام والانقلاب

قبل الخوض في تفاصيل الخطاب الفلسطيني، نقف هنا عند توظيف الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير لمصطلح الانقسام السياسي في تحديد ماهية الظرف الفلسطيني الداخلي الراهن، ونطرح هنا سؤالًا مفاده: هل الوضعية الفلسطينية الراهنة يؤشر عليها مفهوم الانقسام بشكله الكامل؟ إنّ الانقسام السياسي يحدّد الخلاف الفلسطيني في زاوية الموقف السياسي، ولا يمكن الاعتقاد بأنه يشير إلى صورة الواقع التي تطرح مشهدًا فيه انفصال قانوني، وقضائي، وتشريعي، وشُرطي،  أيضًا انفصال مجتمعي إلى حد ما وفيما يخص هذا الفصل الجغرافي والمجتمعي تتحمل إسرائيل جانبًا يتعلق بالاحتلال ومنعها التواصل بين الضفة وغزة.  

يمكن القول إنّ الانقسام السياسي يشبه الخلاف السياسي! وإن دول العالم تشهد انقسامات سياسيّة حول القضايا الداخلية، فليست كل الأحزاب تتفق على رؤى واحدة، وليس كل شعب يتفق على منظور سياسيّ واحد والأحزاب ونشأتها تؤشر على شيء من ذلك، ما نقصد هنا في تحليل المفهوم أنّ الانقسام السياسي مفهوم فضفاض مؤوّل وفيه الاختلاف المشروع، والمُعارضة الطبيعية، إنّه يصلح بشكل ما لتوصيف التضاد في التوجهات السياسيّة، ولا يصلح لتوصيف السلود الشاذ بالخروج الكليّ عن النظام السياسي العام للدول من قبل الأحزاب ونقصد هنا مكوّنات الدولة التشريعية والتنفيذية والعدليّة، في إجراءات ميدانية، أو تمثيلية، فعند هذه الممارسة  يصبح الأمر انقلابًا فقط، وينتُج عنه وضعية سياسية، وقانونية، ومفاهيم مُختلفة لا يمكن وصفها بالانقسام وإن كان كذلك فيمكن استخدام مصطلح الانقسام الشامل، لو أردنا تخفيف وطأة كلمة "انقلاب" ...  ويُعتبر سلوك حركتي حماس والجهاد الإسلامي منذ البداية وقبل عام 2007 سلوكًا انقساميًّا وفق ما طرحنا أعلاه، أي سلوكًا مُعارضًا لمنظمة التحرير ولا يتفق معها بالمطلق على النهج السياسي العام. الخلاصة يكون الانقسام السياسي حالة من الاختلاف (عدم الاتفاق) سياسيًّا لكنها لا تُطيح بالدولة ووحدتها ولا تتجاوز الدور التقليدي للأحزاب بين حاكمة ومعارضة لأبعد من ذلك... إنّ التساهل في التمييز بين الانقلاب المسلح، والانقسام السياسي، تشكل سابقة واستسهالا يفتح المجال لأية جهة أن تتخذ الجغرافيا والسلاح مستقبلًا رهينة لتحقيق تغييرات سياسية في الملفات الخارجية أو الداخلية للدولة، وهذا ما لا تقبله دولة، ولا يليق بها. خاصة إن جاء حلّ مثل هذه المسائل دون رد اعتبار للقضاء، والقانون ليُحاسبا على نتائج مثل هذا الانقلاب. وهنا نشير إلى الحقّين العام والخاص الفردي للشعب الفلسطيني.

يمكن القول إنّ استهلال ممثل الجبهة الديمقراطية لحديثه بعبارة: "نتوجه بخطابنا إلى حركتي فتح وحماس، كون الخلاف بينهما، وما نجم عنه من تداعيات، هو السبب الأساس في المشكلة الوطنية الراهنة التي نواجهها تحت عنوان الإنقسام الداخلي" استهلال يحمل مغالطات كثيرة، كانت منذ أعوام وما تزال تُكرّس في الشارع الفلسطيني. أما فيما يتعلق بهذه العبارة تحت عنوان مفهوم الانقسام، فالوضعية الفلسطينية ليست "خلافًا" بين فصيلين، فعلى سبيل المثال: الخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين قائم منذ القِدم، ولا يلتقيان سياسيًّا سوى على احترام وحدة البلاد، والنظام السياسي، والدراية بأدوار الحكم والمُعارضة، وماهيّة الدولة.. وهذه النقطة تُحيلنا إلى مصطلح "طرفي الانقسام" المُتداول منذ سنوات، وتوظفه قوى اليسار الفلسطيني بكثافة.

طرفا الانقسام

 إنّ هذه العبارة تطرح في طياتها سؤالًا، هل الدولة  أو النظام أو الكيان الذي تقوم عليه هيكلية الدولة في فلسطين يدور في داخله خلاف سياسيّ يؤثر على أعمال الدولة في الوضعية الفلسطينية أم إنّ جهة سياسية (حماس) خرجت عن كل هذا النظام، لتؤسس وضعية مختلفة قانونيًّا، وأمنيًّا، وتجاوزًا لنقل سياديًّا على الجغرافيا؟ إنّ الإجابة الواضحة التي يحملها الواقع على هذا السؤال تفضي إلى نقطة متصلة: هل الوضعية الفلسطينية تحمل صراعًا بين فصيلين حقًّا أم فصيل ودولته؟

سواء اخترنا القول إن الصراع بين فصيل وسلطة، فصيل ودولة، فصيل ومنظمة التحرير، فالمآل واحد... إن الموقف خلاف، انقسام، انقلاب، يمكن لمن يريد أن يختار المصطلح الذي يحلو له، لكنه بين دولة وحزب. هنا تصبح عملية توظيف مصطلح "طرفي الانقسام" عملية تحتاج إلى تحليل.

يمكن أن نعزو استخدام المصطلح المشار إليه إلى أسباب متعددة: الجهل السياسي، وهذا يُنفى عن حركات سياسية وفصائل لها باع طويل، السبب الثاني محاول للتملص وتغيير الواقع كي لا يعترف مُستخدمو هذا المصطلح بأنهم جزء من الوضعية، وجزء من المسؤولية، وطرف في الصراع، فالنظام السياسي الفلسطيني وفق أسس وأركان الدولة حصل فيه خلل (الانقسام الشامل) "بالانقلاب العسكري المسلح وما نجم عنه" وهذا يعني بالضرورة أنّ الخصومة ليست بين فصيل وفصيل، بل بين فصيل وباقي الدولة، بما يعني باقي الفصائل. فهل حديث الفصائل عن المصالحة الوطنية الفلسطينية يعني إنهاء الضرر في نظام الدولة ووحدة الشعب، أم إنهاء لخلاف بين فصيلين فقط بما يعني أنّ الدولة بخير وكيانها لم يُمس! إنّنا ندعو القارئ هنا إلى أن يُخضع أحداث ما يسمى" بالانقسام أو الانقلاب" على دولة مستقلة كي تتضح الصورة أكثر، فيخلص إلى استنتاجاته لما نطرح.

 لماذا تسعى أطراف فلسطينية لإظهار الوضعية الفلسطينية على هذه الشاكلة؟ 

إنّ الجهات السياسية (باقي الفصائل) التي تغيّر شكل المشكلة من مشكلة دولة وفصيل إلى مشكلة فصيلين،تحاول أن تظهر بمظهر المحايد الوسيط، الذي لم تلوثه الحالة الفلسطينية الراهنة (الانقسام الشامل) ولعلّها تسعى بذلك للمحافظة على دور الوسيط، والمحافظة على المصالح المرتبطة بالفصيلين، سوى أنّ مثل هذا المنحى الذي يأتي على حساب الدولة وكيانها المهدد والمتضرر، أثبت فشله، وليست فترة (الانقسام الشامل) المستمرة منذ 12 عامًا سوى دليل على ذلك.

هل يمكن أن يكون السبب أيضًا محاولة لنزع الشرعية السياسية، شرعية الدولة ونظامها الإداري والانتخابي عن الفصيلين؟ إن الحديث عن "انقلاب" يعني أنّ طرفًا خرج عن شرعية الدولة، وفي حالة التنافس والمعارضة بين حركة فتح وفصائل اليسار الفلسطيني، يمكن اعتبار ذلك نوعًا من المصلحة الذاتية الحزبية، التي تعتبر أنّ الفصيلين خارجان عن النظام السياسي، وفي هذا تجنّ واضح، ربما يُسعى من خلاله لتحقيق فوائد انتخابية، وتحقيق حصة أكبر من الجمهور لتلك الجهات على حساب جماهيرية الفصيلين.

 يمكننا القول هنا إنّ تحميل ملفّ "الانقلاب -الانقسام" للفصائل بصفاتها ولأشخاص بصفاتهم الحزبية، وإجراء الحوار على قاعدة حزبيّة، فيه تغييب للدولة/ المنظمة، المتضرر الأكبر، والخصم الأساسي في الوضعية القائمة، وفي أقل تقدير على المُجتمعين أن ينتبهوا إلى أنّ مثل هذه التركيبة لجلسات الحوار مشهدها العام بالغ الفرقة، ويأتي على حساب الوعي العام بمفاهيم الدولة ونظامها، ويمكن أن يكون مقبولًا في حوارات داخليّة في دولة لم تتضرر سلطاتها ومكانتها أي وحدتها وهيكليتها... إنّ السلوك الراهن من الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بمثل هذه التركيبة المطروحة لمعالجة ملف (الانقسام الشامل) لا يتوافق مع الطرح الفلسطيني لأهمية تعزيز مفهوم الدولة الفلسطينية الساعية لإنهاء الاحتلال.

المطالب الموجهة لفتح وحماس في موسكو

حزمة من المطالب قدمتها الجبهة الديمقراطية على لسان نائب أمينها العام فهد سليمان للفصيلين، وفيما يتعلق بحركة فتح جاءت المطالب فيما نقتبس: "أولاً، تنفيذ قرارات المجلس الوطني في دورته الأخيرة، فضلاً عن قرارات دورات المجلس المركزي المتلاحقة منذ الدورة 27 في آذار 2015، وهي التي حددت الخطوات اللازمة للخروج من إلتزامات إتفاقات أوسلو المجحفة، بدءاً من سحب الإعتراف بدولة إسرائيل مالم تعترف بدولة فلسطين بحدودها وبعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران 67، مروراً بوقف التنسيق الأمني، وإنتهاءً بفك الإرتباط بإملاءات بروتوكول باريس الإقتصادي"

إنّ المتمعّن في المطالب السابقة المطروحة على حركة فتح يُدرك عمق الأزمة الفلسطينية، ويُدرك أيضًا ما تنحى إليه الفصائل الفلسطينية على حساب "مصير دولتها" فالمطالب المقدمة مطالب لا يحققها فصيل، وهي مرتبطة بدولة/ المنظمة، أي الدوائر، والأشخاص المسؤولون في الدولة/ المنظمة لمتابعة تلك الملفات التي لا تنسجها دولة مع فصيل، بل مع الكيان السياسي للدولة الأخرى، فاتفاقيات السلام، واتفاقية باريس، والاعتراف بإسرائيل وأية دولة أخرى، هذه كلها ملفات تحمل مسؤوليتها: الدولة- منظمة التحرير/ السلطة الفلسطينية، فكيفَ يُمكن تحميلها على فصيل؟ وهنا نشير إلى أنّ اتخاذ "المنظمة/ الدولة" لكل ما سبق، جاء بناء على قرارات المجلس الوطني (البرلمان)، وأحيل للتنفيذية للتنفيذ، وبعد موافقة كل فصائل منظمة التحرير/ الدولة. ما يجعلنا نقول: إنّ تلك المطالب إن طُرحت فهي مطروحة من الرأي العام الفلسطيني، ومن يتحملُ تنفيذها هي: الدولة/ المنظمة... أي أن الجبهة الديمقراطية وباقي فصائل منظمة التحرير يقع على عاتقها تحقيق تلك المطالب، هي جزء من صناعة تلك الاتفاقيات والقرارات، وليست طرفًا بعيدًا عنها.

النقطة الأخرى فيما يتعلق بهذا الموضوع، وتحمل تناقضًا كبيرًا يؤشر على ما اتنتقدته هذه الورقة في تركيبة الحوار الفلسطيني ومفاهميه، أنّ فيها خلطًا مُستحدثًا... إنّ عملية مراجعة المنظمة للاتفاقيات، عملية أعلن عنها  أبو مازن بصفته رئيسًا لمنظمة التحرير/الدولة، لا بصفته رئيس فصيل، وبإقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير، وجاءت في ظل إحجام بعض القوى عن المشاركة في اجتماع المجلس المركزي الأخير في أغسطس 2018 ومنها الجبهة الديمقراطية نفسها...ذلك الاجتماع الذي نتج عنه إقرار كل ما سبق وإحالته للتنفيذ...  وفي سياق متصل، ماذا لو حصل اجتماع "موسكو" قبل عام من توجّه المنظمة/الدولة لمراجعة الاتفاقيات المذكورة أعلاه، أو قبل أعوام من عمر الانقسام الشامل؟ إنّ هذه الملفات لم تكن مطروحه، وخلطها في المُصالحة الفلسطينية بالتحميل حصرًا على حركة فتح، خلط يحمل مُغالطات كبيرة، نكرر التأكيد على أنه بقصد أو دونه يعمّق من إشكاليات المفاهيم السياسية، ويثير مزيدًا من  الفوضى والإضعاف على وضعية "الدولة/المنظمة"...

... ما يجعل مُطالبة الديمقراطية لحركة حماس ألا تسعى لخلق مرجعية غير منظمة التحرير، مطلبًا "مُتناقضًا".. يثير الدهشة والتساؤل عن مدى إدراك الفصائل لطبيعة الملف الذي تعالجه، من حيث الأبعاد السيادية، والسياسية، والأدوار الدستورية وغيرها، ومدى عمق الأزمة وخطورتها ودور كل طرف فيها وتوجهاته، وبالعودة إلى نصّ المطالب المُقدّمة للفصيلين (النموذج هنا) يمكن ملاحظة حزمة المطالب من حركة حماس، وكلّها مطالب تشير إلى نقطة واحدة: على حماس ألا تُلغي النظام السياسي الفلسطيني، وتُنشئ غيره../ النظام الفلسطيني بما يعني الوضعية الدولية المتعارف عليها والمعتمدة في الشأن الدولي لفلسطين الدولة.
إنّ المطالبَ تحمل في طياتها اتهامًا واضحًا وجليًّا بأنّ حركة حماس تُمارس دورًا خارجًا عن كل السياق السياسي الفلسطيني، أي شرعية الدولة الفلسطينية وكيانها العام بما فيه من خلافات، إنّ مثل هذا الاتهام يُحيلنا مرّة أخرى إلى مسألة "التمييز بين الانقلاب ومجرد الانقسام السياسي" وإلى مسألة مهمة أخرى ألا وهي أنّ مثل هذه المطالب تحمل في طياتها اتهامًا بالخيانة... إنّ أبسط القواعد السياسيّة تقول: إنّ نسج مجموعة أو جهة لاتفاقات سياسية خارجة عن الدولة مع دول أخرى، خيانة، حتى إنّ تنسيقًا مزعومًا مع روسيا اتُّهم به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أدى لإثارة شبهات الخيانة عليه، فكيف بجهة تمارس العمل السياسي بمعزل عن الدولة، وتنفذ اتفاقات مع جهات ودول تُترجمها على الأرض، أو تسعى لترجمتها عليها!

إنّ السياق السابق ينقلنا إلى مدى الخطورة في المشهد العام الذي يمثله النموذج أعلاه، نعني نموذج الخطاب والموقف العام للفلسطينيين في ملفهم السياسي، والسيادي، ونظامهم الداخلي، والدولة/ المنظمة، هذا قبل الوصول للحديث عن خوض مثل هذه المكونات بهذا المشهد العام للصراع الدولي ومواجهة الاحتلال...!

المكونات السياسية الفلسطينية، ونقصد الفصائل جمعاء، نُلاحظ أنّها تبني مواقفها فيما يتعلق بالدولة لا الخلافات الحزبية على إجابة سؤال: إلى أي فصيل ينتسب من يمارس دور الرئيس الفلسطيني؟ ومن الموجود في السلطة/ أي من هو الحزب الحاكم. في ملفّ أكبر من مجرد لعبة انتخابية، أو تنافس حزبي داخل الدولة... هو ملف بقاء الدولة ذاتها، وبقاء هيكليتها، ونظامها، أي: شعب تمثله دولة، وفي الحالة الفلسطينية: يسعى لاستعادة الأرض... وهنا ننهي هذه الورقة بسؤال مفتوح: أيّ وعيٍ تقدّمه الفصائل الفلسطينية في أدائها السابق للأصول السياسية، والمواطنة، والحقوق والواجبات، والدستور؟