سؤال مونت كارلو: بماذا تؤثر الانتخابات الإسرائيلية علينا؟

سؤال مونت كارلو: بماذا تؤثر الانتخابات الإسرائيلية علينا؟
  • سياسة
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 630 مرات

سيرًا على قدمين تعرجُ إحداهما كُلّما حمّلتُ عضلة ساقي جهدًا في المشي، اتخذتُ طريقي من رام الله التحتا إلى الطيرة، في عادة ألجأ إليها لسببين لا ثالثَ لهما: أن أستغرقَ في التفكير مشيًا بذريعة إنقاص الوزن وأنا إلى رأسي أبثّ من سماعة الهاتف موسيقى تصويرية أو أغنيات هندية، أما السبب الثاني وهو أبُ الأسباب كلّها: تقشّفٌ ألجأ إليه كلّما وجدتُ نفسي بلا دخل.

عندَ مدخل "سريّة رام الله"... قطعت طريقي مُراسلة إذاعة مونت كارلو، هكذا عرّفت عن نفسها بابتسامة دمثة، وطلبت أن أتحدّثَ إلى الإذاعة مُجيبًا على سؤال يتعلق بتأثير الانتخابات الإسرائيلية "علينا هنا" وهي تقصدُنا نحن الفلسطينيين في الضفة الغربية.

كان هاتفُ المُراسلة مفتوحًا على برنامج تسجيل أو بثّ لا أعلم، سوى أنني لا أحبّ أن يوقفني أحد في الشارع ليسألني أيّ سؤال، فمهما كانت أٍسبابي لمرور الطريق، إلا أنّي على الدّوام أغرق جسدًا في سيل الشارع، وعقلًا في ألف سبب يثيرُ فيّ الشرود والتفكير، ولأنّني كنت مرارًا وتكرارًا من قاطعي الطريقِ لتنفيذ جزء من برنامج، أو لإعداد تقريرٍ يسدّ خانة في وسيلة إعلامية، عن آراء النّاس التي لا تهمّ أحدًا في حقيقة الأمر سوى لاتخاذها أداة في تحقيقِ سياسات الإعلام على اختلاف انتماءاته ومآربه، ولأنّ الزميلة لم توضّح إن كان البثّ مُباشرًا أم بعد حين، اخترت أن أرفض المشاركة طالبًا أن تُعفيني من الإجابة.

لكنّها رغبت أن تضيف إلى حصيلة موضوعها مقابلة إضافية، فألحّت مستفسرة عن السبب:

- لماذا؟

- لأنني صحفي أفضّل الكتابة...

- لأنّك صحفيّ يجب أن تتحدث...

- اعذريني، لستُ ملمًّا بالشأن الإسرائيلي، وحتى أجيب عن حالنا، يجب أن أعرف أحوالهم أكثر.

 شكرتني المراسلة الدمثة، وتابعت المشيَ لأتساءل بعد دقيقة أو دقيقتين، لماذا كذبتُ ورفضتُ الحديث بذريعة واهية؟

لقد فقدتُ رغبتي في الحديثِ منذ أنهيتُ عملي في الإذاعة، فقدتها كلّما وقفتُ فيما بعد لأحصل على مقابلة في شارع، أو مكتبٍ أو مؤتمر... فما جدوى الحديث إن دخل في ماكينات التحرير كما أسلفتُ؟ أو إن وُضع حيث يشاء من يريدُ توظيفه لا حيثُ أراد المتكلّم؟ لكنّ سؤالها جذبني لأفكرَ فيه.

التأثير حاصل منذ وقت

أمِن عاقلٍ يسأل الآن في هذه المرحلة من عمرنا عن تأثير الانتخابات الإسرائيلية (علينا)؟ إنّ هذا السؤال كان مادّة في العقود السابقة، يُبحث له عن إجابة تلقي الضوء على مجهول يتربّص بنا، أمّا الآن فالانتخابات الإسرائيلية وإفرازاتها ليست شيئًا يؤشّرُ إلى ما هو قادمٌ سوى الأسماء التي سنتعامل معها سياسيًّا وسنتابعها إعلاميًّا، لأن القادمَ نعرفه وبدأ منذ شهور، منذ أُغلقت بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ليُعترفَ بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتُمنح الجولانُ إلى نتنياهو هديّة عشيّة هذه الانتخابات، أي مُنذ بدأ مشروع صفقة القرن.

لا يمكن الذهاب إلى التكهّن حول ما ستجلبه الحكومة القادمة ونحن ندرك أنّ اليمين الإسرائيلي يحمل برنامجَ تصفية واضحًا للقضية الفلسطينية، برنامجًا قديمًا متجدّدًا، بل إنّ الدّقّة تقتضي أن نتساءل عن خطواتنا لمواجهة صفقة القرن، فالسجالُ الإعلامي يكاد ينتهي إلى واقعٍ تُطرح فيه الصفقة في ذكرى تأتي دومًا بوجهين مُتناقضين: فرحة مواطني إسرائيل بقيام دولة الاحتلال، وقهرٌ ينتابنا على نكبتنا نحن...! ما هي القرارات الفلسطينية الآن؟ فالتّهويشُ مرحلته تكاد تنتهي على أعتاب احتياجنا إلى ترجمة رفضنا إلى إجراءات منهجية أكبر وأكثر تصاعدًا، وإعلانات واضحة وصريحة منّا ومن باقي الأطراف المعنيّة، قولًا وسلوكًا على الأرض.

أومن أنّ هذه معركة فاصلة في عمر الشعب الفلسطيني، الحقيقة أنّ كل المعارك فاصلة، لكنّ هذه المعركة استثنائية، لا مُحايدون فيها، فالاصطفاف سيحدث، وانكشاف المواقف بدأ في الصحافة المشكوك فيها، مواقفُ ستُعلن لا محالة، لا في البيانات فقط، بل فيما ستأخذ الأطراف من إجراءات، يُمكنُ تتبعها بأثر الفراشة!

بماذا ستؤثر الانتخابات الإسرائيلية؟ كلّا ليس هذا السؤال الحقيقي، إنّ الأهم أن نعرف ماذا ستفعل الفصائل الفلسطينية لتشكيل جبهة قوية تُواجه الموقف وتسمو عن السجالات السمجة التي اعتادت عليها على طريقة "الدعاية الانتخابية في أية جامعة"... هل ستشكّل الفصائل جبهة موحّدة لمواجهة "حرب القرن"؟

خيارات

لا أحملُ في ذهني سوى النفي، فلكلّ فصيل ليله المدلهمّ الذي لن يصحو منه إلا والجرافات الإسرائيلية تهدم مكاتب الأمناء العامينَ تحت أقدامهم لا أمام أعينهم... فتشكيل الحكومة الفلسطينية أوضح كم نحنُ فُرادى، وكم نحنُ مُبتعدون عن قراءة واقع يسوقنا، حتى الآن، إلى الالتحام مع الاحتلال في مواجهةٍ سيئة لن يكفينا فيها التوحّد، لكنّه سيجعلنا أصعبَ على الكسر حتى نجد مخرجًا يحفظ حقوقنا.

إذا حُسمت الأمور ضدنا، وبدأت الإجراءات التنفيذية للصفقة دون الاكتراث لوجودنا، هل نُعلنُ الحرب في خطوة يائسة؟ أم نبدأ بخلخلة أركان دول الاستقرار العربي الطامحة إلى نسج عالم عربي جديدٍ على حسابنا، إن صدَقَت الوشايات الرائجة حولها؟ هل ندخلُ في حربِ أشباحٍ جديدة؟ هل نفعلُ كل ذلكَ أم ربّما تجترح الدبلوماسيّة خطوات تُغيّر من مسارِ الأمر فتُغنينا عن بعض الوسائل؟

لا شكّ أنّ كلّ سلوكٍ يجب أن يخدم هدفًا سياسيًّا يحتملُ الوصول إليه، دون ذلك تصير الخطواتُ بلهاءَ، والحربُ ملهاةً، والشعار عنتريّة فارغة، وليس أسمى من أن يكون هدف الفصائل والقوى جمعاء: حفظُ خطّة الماضي التي نمضي عليها لانتزاع حقوقنا، تثبيتٌ سياسيٌّ وأحقيّة سيادية، استقلال دولة محتلة، فنظرة إلى مستقبلٍ نُراكمُ فيه ما يجعلُ مُستحيل الآن حقيقة توجدها الأجيالُ لاستعادة الوطن حرًّا بأبنائه. 

ولكن، أيعوّلُ بالثقة على سلوكيات بعضٍ منّا في التوصل إلى استراتيجية عمل ضمن الخيارات كلها؟ إنّ تجربة تشكيل الحكومة الأخيرة تثير الاستياء، لن أعمّم وسأتحدث عن استيائي وأسبابه كما مرّت في خاطري في الفترة الماضية، وفي أربعين دقيقة من المشي.

الفصائل وحكومة اشتية

إنّ حلّ المجلس التشريعيّ يجعل من منصب الرئاسة آخر شيءٍ مُنتخبٍ موجودٍ يحتاج للتجديد الانتخابي فيما يخص السلطة الفلسطينية، أما منظمة التحرير فتماسكها ووضعيتها مُستمدّة من تعزيز دولي بالقوانين والاعترافات، ووجود فصائلي ونظام داخلي... لذلك يمكن القول إنّ الكذب قليلًا بأننا نمتلك شيئًا اسمه حكومة، مدعومة من الفصائل الفلسطينية، يجعلنا في حالة أفضلَ بكثير من انتفاء الشرعية الانتخابية مُطلقًا... فكيف عالجنا الموقف؟

ببساطة وُضعت مطالب سياسية هائلة في وجه الحكومة من قبل فصائل المنظمة، مطالبُ أو ملفّات وطنية سياسيّة، جهة الاختصاص والإفتاء والقرار فيها هي المنظمة، أو اللجنة التنفيذية التي تحمل تلك الفصائل عضويتها، إنّ تلك الوضعية، مثيرة للسخرية، فالفصائل وضعت المطالب التي في حقيقتها أشياء تُسأل هي نفسها عنها لا الحكومة... مطالبُ هي في الأصل مهمّتها هي في إطار اللجنة التنفيذية، لا الحكومة.. هنا يصبح الاستنكاف عن المشاركة في الحكومة بذريعة تلك المطالب، كما ورد على سبيل المثال في موقف الأمين العام لحزب فدا، ضربًا من خلط الأوراق والمُخاتلة المُطلقة... إنّ من لا يعرف أي شيء عن النظام الفلسطيني، يعرفُ أنّ هامش الدور السياسي للحكومة يُمنح من منظمة التحرير، وهو هامش ضئيل يأتي مكملًا لدورها في حملِ مسؤولية الأمور الداخلية للشعب الفلسطيني مجتمعيًّا.

المنظمة هوية وطنية

هل هي مُخاتلة أم فهم خاطئ أم ماذا؟ في نموذج سلوكيّ آخر، لا يمكنني أن أعتقدَ أنّ من يُدخلونَ منظمة التحرير إلى مزايدات انتخابية في مُناقشة "وجودها ومشروعية تمثيلها"، عقلاءُ أو يُميّزون بينَ هوية المنظمة، ووضعية من في مراكزها القيادية. إنّ الحديث عن تجديد المراكز والمؤسسات بالانتخابات شيءٌ يختلف تمامًا عن الدّور السياسي للمنظمة، ولا يكون الأوّل دليلًا على نفي الثاني... فالمنظمة حسب العرف الفلسطيني المُدعّم بالوضعية العربية والدولية هي ببساطة دون شرح: الدولة الفلسطينية في إطارها المعنوي، وتكون الأرض هي الدولة الفلسطينية في إطارها المادي.

لا يُعقل، ولا أفهمُ من يخرج ليقول: لا نريد المنظمة لمجرد أنّ أطرها لم تُنتخب شعبيًّا منذ عقود، أو أن المنظمة ليست ممثلًا حقيقيًّا بسبب الانتخابات الناقصة، إنّ الجملة تحملُ نقيضين في المفهوم العام للمنظمة، وعارٌ أن تنزلق الفصائل في ذلك التناقض كأيّ مواطن عاديّ ليس شغله السياسة وقصّرَ المعنيّون في توضيحِ الأمور له.

هنا يمكن القول بعبارة واضحة أكثر: المنظمة هي الدولة، هي الممثل الفلسطيني في المحفل الدولي، أما من يقودونها فيحتاجون للانتخاب مرّة أخرى بما لا ينفي، ولا يمسّ إطلاقًا الدور الوظيفي للمنظمة بانتخابات أو دونها، فلا إدارة ولا فصائل أو أحزاب في العالم توقف ماكينة العمل في الدولة، بأية ذريعة كانت، إلا لو كانت تلك الأحزاب والدول، ساذجة، فوضوية، مستهترة، أو جاهلة.

المُحزنُ أنّ فترة من فترات الشعب الفلسطيني، اقترح فيها بعض الفكاهيين التأسيس لقوائم انتخابية باسم منظمة التحرير لمواجهة تيار الإسلام السياسي (حماس والجهاد)، لتكون تلك القوائم الساذجة دلالة على وحدة وطنية ما، ما الذي يدفعني لوصفها بالسذاجة؟

لأنّ ذلك السلوك ببساطة ينفي عن المنظمة ما وصفته فيها: الدولة المعنوية... كيف يمكن للدولة أن تنافس فصائلها وأحزابها؟ إنّ المنافسة الانتخابية بين الفصائل في داخل الدولة، بشقيها: المكانيّ والمعنوي، أي تتنافس الفصائل لتقود الدولة/ المنظمة أو بعضًا من مرافقها ومكوناتها... حسنًا: إنّ سذاجتنا تلك تسهّل على خطاب الآخر الداعي لهدم المنظمة بتحويلها في الأذهان إلى طرف مُكافئ كأي مؤسسة عادية، أو قسم إداري يمكن الاستغناء عنه... ملخص القول: اسم المنظمة يعني بالنسبة لي حسب التعريف الفلسطيني، كل أجهزة الدولة، والشعب، والوزارات، والجيش، والسلطات جمعاء، سلطة وغيرها، ولا يمكن أن يكون مستساغًا اسم المنظمة في دعاية انتخابية... إنّه هراءٌ لا يليق بالفهم السياسي، أما الانتخابات فقوائم وأحزاب متآلفة، هكذا يجب أن تُقدّم، دون مسّ بالوعي العام لمفاهيمَ مصيبة أن يُعبث فيها حتى بنيّة طيبة.

في ظل ذلك كلّه هل يمكننا أن نعوّل على تعويم الأمور، أو الفهم الخاطئ، أو المُخاتلة المقصودة، أو أية نيّة أخرى قريبة من ذلك في قيادة مرحلة خطيرة كالتي نمرّ فيها؟ هل كل ذلك يعزّز الأملَ في أن ننسى خلافاتنا لحظة واحدة وأن ننظرَ بعين الوطن إلى شعبٍ تسحقه كل قوة تقف إلى جوار الاحتلال؟ 

بماذا ستؤثر الانتخابات الإسرائيلية علينا اليوم؟ سؤالٌ محضُ هُراء... إنّ التأثيرَ حاصلٌ منذ وقت، لكنّ أغلبَ قوانا الداخلية لم ترتق حتى اللحظة إلى مستوى المعركة وذلك التأثير بالفعلِ المؤسس لأساليب وخطوات المواجهة... سوى بالاتهام المتبادل والكلام... الكلامٍ الإذاعيّ فقط.