الغطرسة الاستعمارية الجديدة لخطة كوشنر

الغطرسة الاستعمارية الجديدة لخطة كوشنر
كوشنير صهر الرئيس ترمب المصدر: الانترنت
  • سياسة
  • نُشر بتاريخ :
  • قراءة 209 مرات

مقالة  رشيد الخالدي / أستاذ الدراسات العربية بجامعة كولومبيا ( كرسي إدوارد سعيد) ، وهو مستشار سابق للمفاوضين الفلسطينيين ومؤلف كتاب "حرب المائة عام المقبلة على الفلسطينيين: الاستعمار والمقاومة" ، 1917–2017.

ترجمة: نادر الغول

"لا يمكنك الاستغناء عنا" ، هكذا أخبر اللورد كورزون بهدوء الهنود الذين حكمهم كقائم إمبراطوري بريطاني قبل أكثر من قرن. وبينما كانت عائلة ترامب في قصر وندسور في لندن خلال زيارتهم الاخيرة، لم يكن هناك فارق اختلاف بين الأرستقراطية الحقيقية والأفكار المقدمة. ومع ذلك ، فإن جاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير المستشارين المسؤولين عن صياغة خطة سلام في الشرق الأوسط، لديه شيء مشترك مع اللورد كرزون وأمثاله من الاستعماريين.

في مقابلة مع أكسيوس تم عرضها على HBO في 2 يونيو ، قبل وقت قصير من وصوله إلى المملكة المتحدة ، شكك كوشنر في جدوى الحكم الذاتي الفلسطيني المستقل، وأعلن: "يتعين علينا أن نرى" ، مضيفًا ، "الأمل هو أنهم يستطيعون حكم أنفسهم مع مرور الوقت،" وعندما سئل عما إذا كان ينبغي للفلسطينيين أبدًا أن يتمتعوا بالتحرر من "الحكومة الإسرائيلية أو التدخل العسكري" ، قال فقط إن هذا "عائق كبير". بعد الإيحاء بأن كوشنر كان قد استشار عددًا قليلاً من الفلسطينيين، إن وجد، على مدار العامين اللذين كانت خطته للسلام تعمل فيهما، سأل المحاور عما إذا كان يفهم سبب عدم ثقة الفلسطينيين به. أجاب كوشنر بهدوء ، "أنا لست هنا ليتم الوثوق بي."

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُقال فيها للفلسطينيين أنهم لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم، وأنهم ملزمون بالبقاء تحت وصاية أجنبية، ولا يتم استشارتهم بشأن مستقبلهم الوطني. في عام 1919، كتب إمبريالي بريطاني آخر، اللورد بلفور، في مذكرة سرية إلى كرزون نفسه "في فلسطين، لا يجب علينا استشارة السكان الحاليين للبلاد ... الصهيونية ، سواء أكانت صوابا أو خطأ، جيدة أو سيئة، متأصلة في التقاليد القديمة، وعليه فإنه أكثر أهمية تصدير هذه الفكرة، من ماذا يفكر ٧٠٠،٠٠٠ السكان القدامى لهذه الأرض. "

استبعد إعلان 1917 المرتبط باسم بلفور، وهو أساس الانتداب البريطاني الذي أدى إلى قيام إسرائيل، الفلسطينيين - الذين لم يذكرهم بلفور بالاسم - من الحقوق السياسية والوطنية التي منحها لليهود. في مقابلة أكسيوس، ردد كوشنر كلمات بلفور، واستبعد الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا من الحقوق السياسية والوطنية. أكد كوشنر وزملاؤه، مستشار البيت الأبيض جيسون غرينبلات، وديفيد فريدمان، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، باستمرار أن مبادراتهم هي في الأساس مبادرة تنمية اقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، الغرض منها العمل في ظل الظروف الحالية للسيطرة الإسرائيلية المطلقة تقريبا. حتى الآن الخطة، ليس فيها أي عنصر سياسي معلن، باستثناء الإشارة الواضحة إلى استبعاد قيام الدولة الفلسطينية وسيادتها. كل الفلسطينيين يستحقون، حسب رأي كوشنر ، "فرصة للعيش حياة أفضل ... فرصة لدفع رهنهم العقاري" تحت حكم إسرائيلي.

من المفهوم، في جميع أنحاء العالم تقريبًا، يرى الفلسطينيون، إلى جانب العديد من المعلقين الدوليين، أن هذا النهج يمهد ببساطة لتطبيع الاحتلال الذي لا ينتهي أبداً والضم الزاحف تحت ظروف التمييز القانوني الشديد بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين: وضع لا يشبه شيئًا بقدر ما يشبه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

من المثير للدهشة، بالنسبة لشخص يفترض أنه رجل أعمال ناجح، يبدو كوشنر جاهلًا بالإجماع الاقتصادي الذي يصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه مُخنوق في المقام الأول بسبب التدخل المنهجي للاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي يدعو إلى الإبقاء كما هو عليه. لقد أضافت إدارة ترامب إلى هذا الخنق والوضع الاقتصادي السيئ بقراراتها بقطع المساعدات الأمريكية المباشرة عن الضفة الغربية وقطاع غزة ودعمها للأونروا. في هذه الأثناء، تواصل الولايات المتحدة دعمها للحصار الإسرائيلي على غزة، بمساعدة مصر، بما له من آثار كارثية على سكانها البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، بما في ذلك النقص المزمن في الطاقة والمياه، والحد الأدنى من معالجة مياه الصرف الصحي، والبطالة التي وصلت لأكثر من 50 في المائة، والافتقار التام إلى حرية حركة.

هذه ليست سوى بعض الأساليب التي جعلت هذه الإدارة التي تضم كوشنر، تسعى إلى الإساءة وازدراء الفلسطينيين. من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، قامت هذه الإدارة بإنهاء ملف تفاوضي كان يجب أن يتم الاتفاق عليه على طاولة المفاوضات، مخالفة التقليد الأميركي الذي استمر ٧٠ عاما متجاهلة للإجماع الدولي الذي يقول بأن الوضع النهائي للمدينة يجب أن يتم التوافق عليه بين الطرفين.

كما تجنبت إدارة ترامب بشكل صريح تأييد حل الدولتين أو أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وهو ما كرره كوشنر في مقابلته. لقد أغلقت البعثة الفلسطينية في واشنطن العاصمة، وقطعت المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية. فقد ادعى أنه على عكس وضع جميع اللاجئين الآخرين منذ الحرب العالمية الثانية ، فإن أحفاد الفلسطينيين الذين أعلن عنهم لاجئين في عام 1948، ليسوا هم أنفسهم لاجئون. أخيرًا ، فإن إدارة ترامب، بتأييدها لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، قد مهدت الطريق لضم أي جزء من الضفة الغربية تقرر إسرائيل ابتلاعه.

في الواقع، في مقابلة أجريت مؤخراً مع صحيفة نيويورك تايمز، صرح السفير فريدمان، الذي يُقال إنه "قوة دافعة" في صياغة سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، بأن إسرائيل لها "الحق" في ضم بعض، ولكن من غير المحتمل جميع الضفة الغربية." بعد ذلك، وبطريقة فلسفية قال فريدمان عندما سأل عما إذا كانت خطة كوشنر تتضمن دولة فلسطينية ، قال: "ما هي الدولة؟" واختتم حديثه بكل سخافة بمقارنة الاحتلال الإسرائيلي القسري غير المحدود للأرض الفلسطينية بالوجود العسكري الأمريكي القائم على المعاهدات في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية. هذه التصريحات هي أوضح مؤشر ممكن لفهم الطريقة التي تهب بها الرياح في واشنطن.

في مقابل هذه الاستخفاف بالحقوق الفلسطينية، سيتم تقديم أموال للفلسطينيين، يتم جمعها من دول الخليج، وهو عرض يفترض أن يتم إضفاء الطابع الرسمي عليه في مؤتمر في أواخر يونيو/حزيران في البحرين. إن اقتراح كوشنر بشطب المعارضة الفلسطينية لخطة تلغي التسوية السياسية المتفاوض عليها ليس مجرد اقتراح متغطرس واعمى، وهو ما يتماشى تمامًا مع سجلّ أسرته و حماه. كما أنها ليست أكثر من نسخة يعاد تدويرها لخطط مماثلة "للسلام الاقتصادي" بدلاً من الحقوق الفلسطينية التي يروجها القادة الإسرائيليون من شمعون بيرس إلى نتنياهو. منذ زمن اتفاقات أوسلو في منتصف التسعينيات، طرح بيريز، الذي كان معنيا بحرمان الفلسطينيين من الدولة المستقلة والسيادة، أفكارًا مختلفة من أجل "السلام الاقتصادي". وقد طرح بنيامين نتنياهو نفس الموضوع، بدءًا من انتخابات 2009، ومع التركيز المتزايد منذ ذلك الحين على فكرة السلام الاقتصادي. بالنسبة لنتنياهو وأنصار اليمين الشعبوي من المستوطنين المتطرفين مثل زميله في مجلس الوزراء الأخير نفتالي بينيت، أصبح السلام الاقتصادي المقاربة الأفضل كطعم للفلسطينيين من أجل مقاربتهم الصريحة للضم.

ليس سراً أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو يسيران على قدم وساق، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو المواجهة مع إيران، لكن ما يثير الدهشة هو مقدار تشابه سياسة البيت الأبيض في الشرق الأوسط، بما في ذلك خطة كوشنر نفسها، الاستعانة بمصادر خارجية لبلورتها مثل نتنياهو وحلفائه في إسرائيل والولايات المتحدة. إن "مبادرات" إدارة الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني-الاسرائيلي من إدارة ترامب حتى الآن جميعها تأتي معبأة مسبقاً من مخزن أفكار اليمين المتطرف الإسرائيلي، بما في ذلك نقل السفارة الى القدس، مع الاعتراف بضم الجولان، إلغاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة تصفية الأونروا، والانسحاب من الصفقة النووية مع إيران. لا يزال هناك بنود اضافية في قائمة أمنيات نتنياهو، بما في ذلك ضم جزء كبير من الضفة الغربية، رفض أمريكي رسمي لدولة فلسطينية، وإنشاء قيادة فلسطينية ميسرة بالكامل و ترويض الفلسطينيين، وغيرها من الطرق المؤسفة لإكراه الفلسطينيين على قبول أنهم شعب مهزوم.

أوضحت إدارة ترامب بشكل لا لبس فيه أنه بينما يتعين على الإسرائيليين أن يكون لهم إسهام واف في تقرير ما يحدث في فلسطين، فإن الفلسطينيين أنفسهم لا يستحقون التشاور معهم بشأن مستقبلهم. وبطريقة فيها الكثير من العنجهية، كوشنر، فريدمان، جرينبلات، والمشرفين عليهم من اليمين الإسرائيلي يعرفون أفضل من الفلسطينيين. إن الروتين الممل المتمثل في حرمان الفلسطينيين من السلطة، كما تفعل خطة كوشنر بطريقة حادة ووقحة، قد تمت تجربتها لأكثر من قرن و لم تنجح في ظل الانتداب البريطاني، ولم تنجح في الفترة ما بين 1948 وصعود منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات من القرن الماضي عندما حاولت الأنظمة العربية فرض وصاية عليها، ولم تنجح في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي. كل ما سمح به للفلسطينيين من قبل حكامهم الاسرائيليين، من مناحيم بيغن في عام 1977 وحتى بنيامين نتنياهو اليوم، مستويات تجميلية إلى حد كبير من "الحكم الذاتي" تحت الحكم الإسرائيلي. وهو أقصى ما يمكن أن يقدمه كوشنر.

إن الوضع الراهن للاحتلال العسكري و الاستيطاني الذي يقترح كوشنر تمديده إلى أجل غير مسمى يتناقض كلياً مع عقود من السياسة الأمريكية المعلنة، ومع كل مبدأ من مبادئ الحرية والعدالة والإنصاف، التي من المفترض أن تؤيدها الولايات المتحدة. كما إنه يجعل الولايات المتحدة في موقف سيئ للسماح لسياستها بأن تقر من قبل شخصية تافهة، تعمل تحت تأثير الأفكار الرجعية لليمين الإسرائيلي.

لربما أن اختلاط كوشنر مع الملوك جعله واهما، ولكنه سواء كان يعرف ذلك أم لا، فإن أيام اللورد كرزون واللورد بلفور قد ولت، ومع خططهم الاستعمارية الجديدة التي وضعوها للفلسطينيين، فهو وحلفائه الإسرائيليين يسبحون عكس التيار.